وطن الأبطال وحراس الوعى
في توقيت دقيق ومفصلي تتسارع فيه المتغيرات الإقليمية والعالمية التفرض على الجميع اتخاذ أعلى درجات اليقظة ، جاءت كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ53 لانتصارات أكتوبر المجيدة، لتقدم قراءة استراتيجية عميقة لمعادلة الأمن القومي المصري، وتطرح رؤية رئاسية تضع الجميع أمام مسئولية تاريخية للحفاظ على الوطن وضمان استقراره .
فخلال مداخلاته الوافية والشافية التى اتخذت من المكاشفة والشفافية ركيزة أساسية وضع الرئيس النقاط فوق الحروف في مرحلة استثنائية تتطلب أعلى درجات التلاحم الوطني ، ورسم خارطة طريق متكاملة لتوصيف واقع الدولة المصرية، رابطا بين خيوط التاريخ والواقع الحالى؛ بدءا من معجزة العبور والانتقال من رماد نكسة 1967 إلى قمة المجد، وصولا إلى محطة العبور الثانية بالخروج من نفق جماعة الإخوان المظلم عام 2013، بما يؤكد قدرة الأمة المصرية دائما على طي صفحات الانكسار وصناعة المعجزات بالإرادة والوعي.
ولم تكن رسائل الرئيس مجرد سرد لكلمات أو توجيهات وإنما تجسيد حي لدبلوماسية دولة لا تعرف المستحيل، تحمي حدودها وتصون هويتها بحكمة، مستلهمة روح أكتوبر العظيمة لتكون درعا وسندا في مواجهة صعاب الراهن وتحديات المستقبل، وضمانا لاستمرار دور مصر الريادي إقليميا ودوليا.
استدعاء الرئيس لمحطات مفصلية من تاريخ مصر الحديث، وفي مقدمتها معجزة انتصارات أكتوبر وأحداث عام 2013، لم يكن مجرد تذكير بمحطات تاريخية فاصلة فى عمر الوطن، بل كان قراءة تاريخية بإدراك استراتيجى عميق و برؤية واعية تستند إلى الحقائق الموثقة، فالذاكرة الوطنية هي الركيزة الأساسية للهوية المصرية، وحصن الأمة المنيع.
وتذكير الرئيس بظروف عام 2013 حمل دلالة بالغة الأهمية؛ فلم تكن مجرد معركة داخلية، بل كانت نقطة فاصلة ومعركة وجود واستعادة للدولة الوطنية وصيانة لهويتها من الاندثار، لقد أثبتت تلك الفترة للعالم أجمع صلابة الشعب المصري وتلاحمه الأسطوري مع مؤسساته الوطنية وقواته المسلحة الباسلة في إعادة بناء الدولة وتجديد المسؤولية التاريخية، تماما مثلما حدث فى معركة العبور العظيم فى السادس من أكتوبر التاريخى.
الرئيس سلط الضوء على أهمية الوعي الوطني في حماية استقرار الدولة، وحذر من خطورة الشائعات ومحاولات تزييف الحقائق والتأثير في إدراك المواطنين لطبيعة التحديات التي تواجه الوطن، وهو تحذير يأتى من إدراك عميق لطبيعة التحديات في عصر التحول الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي التى تستهدف الذاكرة الوطنية وتشكك في الحقائق التاريخية، وفي مقدمتها معجزة أكتوبر ،ومن هنا، ترتقي "معركة الوعي" لتضاهى معارك الدفاع الحربية عن الوطن، فاستهداف عقول المواطنين هو أخطر أدوات حروب الجيلين الرابع والخامس بحيث يهدم المواطنون أوطانهم دون تحريك طائرة أو دبابة.
ولابد أن يعى الجميع أن حماية الوطن فى ظل الأوضاع العالمية الراهنة لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل تستوجب استراتيجية وطنية متكاملة قوامها مجتمع واعى، ومؤسسات قادرة على التواصل الشفاف ،وتكامل أدوار المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية، إلى جانب بناء تفكير نقدي واعي لدى الشباب وتصميم حائط صد فكري وسياسى فى إطار الاستراتيجية الوطنية لبناء الإنسان المصري.
رسائل الرئيس لم تكن للداخل فقط ، بل كانت للخارج أيضا ففي دائرة السياسة الخارجية والأمن الإقليمي، وتعقيبا على التصريحات الصادرة عن أحد المسؤولين الإسرائيليين بشأن سيناء، أكد الرئيس أن مصر خاضت حربا دفاعا عن أرضها واستعادت كامل أراضيها، ،وأكد بوضوح أن مصر لا تتحرك وفق أطماع أو حسابات توسعية، وإنما تنطلق من عقيدة راسخة تقوم على احترام سيادة الدول وصون السلام، مع امتلاك القوة الكاملة والقدرة الرادعة لحماية أمنها القومي ضد أي تقديرات خاطئة.
ولا تقف حدود الأمن القومي عند الداخل فحسب، بل يمتد ارتباطا وثيقا باستقرار المحيط العربي، ولذا أكد الرئيس أن مصر تستهدف خفض التصعيد في المنطقة، وتحقيق الأمن والاستقرار للأشقاء في دول الخليج، وشدد على أن الأمن القومي لدول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وانطلاقا من هذا، تدعم أشقاءها في دول الخليج، وهي مستعدة للقيام بكل ما يلزم لخفض التصعيد وتأمين الملاحة وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، لتثبت الدولة المصرية مجددا أنها الحصن والسند، تجمع بين حكمة بناء السلام وصلابة الدفاع عن القضايا المصيرية للأمة.
وكانت الرسالة الأكثر وضوحا وعمقا تلك التى جاءت على لسان الرئيس «حصنوا بلدكم ضد المؤامرة.. ولا أقول حصنوا الرئيس»، فى رسالة تؤكد أن بناء الدول وتثبيت أركانها لا يولد صدفة، بل بالعمل المضني، والصبر الجميل، واستمرار جهود التنمية المتواصلة بالتوازي مع تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
فحماية الوطن ليست حكرا على مؤسسات الدولة وحدها، بل هي مسئولية وطنية مشتركة تمتد إلى كل مواطن في موقعه، وتفرضها دماء الشهداء وتضحياتهم ليبقى الأمن والاستقرار درعا لغد أفضل.
وختاما حملت الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة عنوان "وطن الابطال"، واحتفت بأبطال ملحمة العبور العظيم ، وعلينا أن نتوج تضحيات هؤلاء الأبطال بالانتصار فى معركة الوعى فنحن حراسه وعلينا جميعا مسئولية تاريخية للحفاظ عليه.