رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران شهرها الثاني، وسط بوادر عن إعادة إحياء المسار التفاوضي لوقف الحرب. كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرح قبل أيام أنه يدرس "إنهاء" الحرب. لكن وعلى الرغم من أن مسؤولين أمريكيين وعسكريين توقعوا استمرار القتال لمدة ثلاثة أسابيع إضافية، إلا أن مستشاري الرئيس بدأوا بالفعل في وضع خريطة للتفاوض مجدداً مع إيران.
ترامب الذي يؤمن ويرسخ لمبدأ "استخدام القوة لفرض السلام" لا يطرح حدوداً للقوة ولا يلتزم أيضاً بشروط السلام المتغيرة.. وسبق أن استخدم منهجه الجديد في تغيير الحكم بالقوة في فنزويلا بطريقته وشروطه الخاصة. وعلى كل حال فإن تغيير الحكم أو النظام بالقوة لا يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية، فهي تمتلك تاريخاً طويلاً من التدخل لتغيير أنظمة الحكم في دول أخرى، سواء عبر القوة العسكرية المباشرة أو العمليات الاستخباراتية السرية. واستخدمت واشنطن جيشها للإطاحة بنظام حكم تعتبره تهديداً مباشراً لمصالحها أو للأمن العالمي، وتكرر هذا في بنما (1989): عملية "القضية العادلة" لإطاحة الجنرال مانويل نورييغا، وأفغانستان (2001): لإسقاط نظام طالبان بعد هجمات 11 سبتمبر، والعراق (2003): لإسقاط نظام صدام حسين بزعم وجود أسلحة دمار شامل، وليبيا (2011): قيادة تدخل عسكري دولي (ناتو) أدى لسقوط نظام معمر القذافي. لكن بالنسبة لإيران فالإدارة الأمريكية تدرك جيداً، بعد أكثر من 3 أسابيع من الحرب، أنه لا توجد فرصة حقيقية للإطاحة بالنظام في طهران مهما بلغت قوة الضربات الجوية... وهنا لا بد من طرح السؤال التالي: لماذا عاد الحديث عن التفاوض؟
الإجابة تستلزم بالضرورة التذكير بأهداف الحرب، التي تتلخص في: إزاحة النظام، إنهاء البرنامج النووي الإيراني، تدمير البنية الصاروخية، وأخيراً قطع إيران الدعم عن أذرعها في المنطقة.
النتائج ربما تكون مخيبة لآمال من بدأوا الهجوم، فالنظام تعرض ولا يزال لضربات مميتة لكن لم يسقط، وهم الآن بصدد إعادة التفاوض مع بعض أركانه التي كانت موجودة قبل الحرب! الملف النووي تعرض للتدمير الممنهج لكن لم يحسم، حتى 450 كيلوغراماً من مادة اليورانيوم المخصب لم يتم العثور عليها. ملف الصواريخ الباليستية، رغم أن ترامب أكد نسف بنيته بالكامل بواسطة الضربات الإسرائيلية والأمريكية، إلا أن الصواريخ ومسيرات إيران ما زالت تستهدف كل المدن الإسرائيلية ووصلت إلى "ديمونة" قدس الأقداس بما تسبب في ذعر غير مسبوق لتل أبيب. حتى أذرع إيران ما زالت تسبب خسائر وإزعاجاً لتل أبيب من الجانب اللبناني.
إذن يكفي القول إن الحديث عن إعادة التفاوض يعني بالتأكيد أن واشنطن وتل أبيب لم تصلا بالكامل إلى ما كانتا تأملانه من الحرب في أي من ملفات الصراع لصالحيهما. بل إن ما حدث هو مفارقة ميدانية صادمة؛ فخوفاً من الدخول في حرب استنزاف طويلة ومكلفة، اكتفت واشنطن وتل أبيب بما حققتاه من (إزالة رأس النظام) ظناً منهما أن الجسد سيهوي، لكنهما فوجئتا ببقاء المنظومة صلبة ومستمرة في القتال، مما حول "نشوة الاغتيال" إلى "ورطة استنزاف". وهنا وجبت العودة للتفاوض بعد أن فقد السلاح العنيف قدرته على الحسم السياسي، وتحولت إزالة الرأس من انتصار خاطف إلى دافع لإيران لتوسيع رقعة الرد، مما أجبر الطرف الأقوى على الجلوس لطاولة الدبلوماسية.
فعلياً لم يحدث أي اتصال مباشر بين الولايات المتحدة وإيران في الأيام الأخيرة، على الرغم من أن مصر وقطر والمملكة المتحدة قد نقلت رسائل بينهما، وقد أبلغت القاهرة كلاً من تل أبيب وواشنطن أن طهران مهتمة بالتفاوض، ولكن بشروط تشمل وقف إطلاق النار، وتلقي ضمانات بعدم استئناف الحرب في المستقبل، ودفع تعويضات عن الأضرار التي سببتها الحرب للبلاد.
موقع "أكسيوس" ذكر أن قائمة المطالب الأمريكية التي تريد من إيران الالتزام بها تشمل 6 نقاط: تجميد برنامج صواريخ لمدة خمس سنوات. وقف تخصيب اليورانيوم. تفكيك المنشآت النووية في نطنز وأصفهان وفوردو. بروتوكولات مراقبة خارجية صارمة حول إنشاء واستخدام أجهزة الطرد المركزي والآلات ذات الصلة التي يمكن أن تساهم في تطوير برنامج للأسلحة النووية. انضمام طهران لمعاهدات الحد من التسلح مع دول المنطقة والتي تتضمن حداً أقصى للصواريخ لا يتجاوز 1000 صاروخ. وأخيراً وقف التمويل للجماعات المسلحة مثل حزب الله في لبنان، الحوثيين في اليمن، وحماس في غزة.
على كل الأحوال فإن التفاوض أيضاً هو صراع دبلوماسي، وكل طرف يسعى لتحقيق أهدافه من خلال ما يمتلكه من موازين القوى، وبدونها تتحول الأهداف إلى أحلام وجموح، والتمسك بها يؤدي إلى الجمود والتصلب وربما السقوط. والمفاوضات المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية لن تكون استسلاماً من طرف لآخر، بل هي في الحقيقة صراع إرادات بين محاولة فرض إيران لطموحاتها الوطنية التي قد تتجاوز الإمكانيات وتتعارض مع رغبات إقليمية، ورؤية رئيس أمريكي لمنطقة تضخ حوالي 30% من البترول في الاقتصاد العالمي، تستند إلى قوة غاشمة يعززها طرف إقليمي -إسرائيل- يطمح في تنصيبه شرطي الشرق الأوسط... هذا الطرف تحديداً يرى نفسه هو الخاسر الأكبر في أي تفاوض طالما بقي نظام الملالي في طهران المؤمن بإزالة إسرائيل.. ولأنها دائماً تستشعر قلقاً متزايداً من إمكانية إبرام صفقة بين طهران وواشنطن، تحاول إشعال الموقف كلما اقترب الطرفان من التفاوض، وظهر هذا في استهداف تل أبيب لمنشآت النفط الإيرانية بعد ساعات من أنباء عن وجود مفاوضات سرية لإنهاء الحرب، الأمر الذي أغضب ترامب. والثاني بعد تصريح نتنياهو لموقع "فوكس نيوز" الأمريكي بأن إيران استهدفت بالصواريخ المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والحائط المبكي في القدس، في محاولة منه لتقليب العالم عليها… ومن المؤكد أنها ستحاول إفساد المفاوضات مرات عدة.
فرص نجاح المفاوضات المرتقبة قد تصبح معدومة إذا لم يؤمن المشاركون فيها بمبدأ أن "الضرورة توجب المرونة"، وإذا تم تجاهل هذا المبدأ قد يعيد الجميع إلى نقطة الصفر وربما لما بعدها إذا خرجت الأمور الملتهبة عن السيطرة.. العودة للتفاوض يمكن وصفها بـ "دبلوماسية الاستعصاء"؛ حيث استعصى على القوة العسكرية حسم المعركة، مما جعل التفاوض المخرج الوحيد لتجاوز هذا الانسداد.. لكن يبقى أن "المرونة" التي تفرضها الضرورة ليست مجرد رفاهية حوار أو تكتيك دبلوماسي، بل هي طوق النجاة الأخير؛ فإذا انقطع، لن تجد المنطقة نفسها أمام "صفقة القرن"، بل أمام "حرب القرن".

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة