تبنى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في خطاب "حالة الاتحاد" نبرة حادة وواضحة تجاه إيران، وكانت الرسالة الأقوى هي قوله: "لن تمتلك إيران سلاحاً نووياً أبداً طالما أنا في البيت الأبيض". هذا التصريح لم يكن مجرد تحذير، بل ربطه بـ "جاهزية عسكرية كاملة"، مشيراً إلى أن صبر الولايات المتحدة الاستراتيجي قد انتهى.
وتباهى ترامب بأن صادرات إيران النفطية وصلت لأدنى مستوياتها منذ عقود؛ نتيجة الترهيب الذي مارسته إدارته على المشترين الدوليين. كما أكد أن أي هجوم من "وكلاء إيران" (في إشارة للحوثيين أو الفصائل في العراق وسوريا) سيعامل كأنه "هجوم مباشر من طهران". هذا التغيير في قواعد الاشتباك يعد تصعيداً كبيراً ينهي سياسة "الرد الموضعي". وقد خصص الرئيس جزءاً من حديثه للداخل الإيراني، معتبراً أن "الشعب الإيراني العظيم يستحق حكومة تنفق أمواله على رفاهيته وليس على الحروب الخارجية"؛ وهي لغة تهدف بوضوح إلى تشجيع الضغط الداخلي على النظام الحاكم.
ورغم نبرته الهجومية، ترك الرئيس الامريكي "باباً موارباً" بقوله: "أنا لا أريد الحرب، أريد صفقة تجعل إيران عظيمة مرة أخرى، ولكن بدون إرهاب وبدون نووي". وهذا هو أسلوبه المعتاد: (التصعيد الأقصى ثم عرض الجلوس على الطاولة)، محاولاً إجبار طهران على توقيع اتفاق جديد يتجاوز الاتفاق النووي القديم ليشمل "برنامج الصواريخ الباليستية" و"النفوذ الإقليمي".
في حقيقة الأمر، فإن إيران والولايات المتحدة —الطرفين الرئيسيين في معادلة الصراع الدائر حالياً— يتعرضان لضغوط كبيرة للخروج من الموقف الراهن بأقل الخسائر. فطهران تواجه أولاً أزمة "فخ البقاء"؛ إذ يدرك النظام الحاكم أنَّ التنازل في المفاوضات (بشأن القضايا النووية والصاروخية) سيعتبر ضعفاً. وحتى لو اتبع النظام مبدأ "التقية" في أدوات الدعاية ولم يعلن عن تلك التنازلات، فإنَّ الطرف الآخر (واشنطن وتل أبيب) الذي يريد إزاحته من المشهد سيكشف حقيقة ما تم التوصل إليه؛ ووقتها سيكون النظام مكشوفاً أمام جماهير الشارع الإيراني الغاضب أصلاً، الذي سيجدها فرصة لا تعوض لكسر شوكته وإزاحته من سدة الحكم.
في المقابل، لو أصرَّ النظام على تشدده في التفاوض، خاصة في القضايا الشائكة، فإنه سيواجه حرباً لا قِبَل له بها وستكون قاصمة، وبقاؤه سيكون محل شك كبير. لكن في الوقت نفسه، فإنَّ تمسكه بقضايا أمنه الوطني قد يزيد من فرص انحياز الشارع؛ لأنه صمد أمام "الشيطان الأعظم"، بل من المرجح أن يعزز التماسك الداخلي ويقلل من الاحتجاجات المتزايدة. ولا ننسى أنَّ الهجمات السابقة على المنشآت النووية في يونيو 2025 والضغط العسكري الأمريكي المتجدد في عهد ترامب، خلقا شعوراً في طهران بأنَّ المواجهة كانت حتمية على أي حال، وأن التضحيات أصبحت واجبة في هذه اللحظة التاريخية؛ وفي هذه الحالة سيصبح كل ما تحت يد النظام مسخراً لـ "حرب البقاء".
أما "محور المقاومة"، فربما هو من ستُطبق عليه المعادلة الصفرية؛ فعدم الاتفاق يعني إنهاك ما تبقى منه، وهو يعاني أصلاً من خسائر فادحة بعد حرب اقتربت من دخول عامها الثالث منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. والهجوم هذه المرة سيكون من أجل "الاجتثاث" وليس التحييد أو الإضعاف. وفي حالة الاتفاق، فإنَّ هذا يعني فعلياً إضعاف المحور، ويظهر طهران بمظهر مَن تخلى عن حلفائه في لبنان واليمن وحركة حماس لمواجهة مصيرهم المحتوم مقابل مصالحها الخاصة. وبالتالي سيكون هؤلاء الحلفاء عرضة لضربات غير مسبوقة لإنهاء دورهم بعد رفع الحماية الإيرانية عنهم، مما يكشف زيف الشعارات التي رُوّج لها منذ عام 1979.
وبالنسبة لـ "البرنامج النووي"؛ فإنه في حال الاتفاق، ستتمكن طهران من الحفاظ على الحد الأدنى من برنامجها، حتى لو على أقل درجة تخصيب، مع نقل اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق 60% إلى دولة ثالثة. وفي كل الأحوال، فإن خروجهم بالبنية التحتية للبرنامج يعد مكسباً كبيراً. أما "البرنامج الصاروخي"، فالأمور لم تتضح بعد بشأن الصواريخ التي يتجاوز مداها 300 كيلومتر، ولكن لابد من النظر إلى حجم الاستثمارات الهائلة في هذه البنية وتكلفة إنشائها مجدداً في حال تعرضها للتدمير. كما سيكون على إيران إعادة جدولة أجندتها الخارجية بطريقة تمنحها فرصة للاندماج في محيطها الإقليمي بعد التخلي عن سياسة "الأذرع الخارجية"، وهي معضلة سياسية كبرى.
على الجانب الآخر، يجد صانع القرار في واشنطن نفسه أمام معادلة معقدة؛ فعدم توجيه ضربة عسكرية لإيران —خاصة بعد الحشد العسكري الضخم وتهديدات ترامب— يحمل "خسائر استراتيجية"، أهمها تآكل "مصداقية الردع". فواشنطن حشدت قوات غير مسبوقة ووضعت "خطوطاً حمراء" صارمة، وإذا تراجعت دون الحصول على "اتفاق شامل"، سيبدو التهديد الأمريكي كأنه "نمر من ورق"، مما يشجع طهران والقوى الإقليمية على تجاهل التحذيرات الأمريكية مستقبلاً.
علاوة على ذلك، فإن التراجع يعني فقدان الزخم للضغط على النظام في وقت تعاني فيه إيران من احتجاجات واسعة وانهيار للعملة. يرى "الصقور" في واشنطن أن عدم الضرب "الآن" هو تفويت لفرصة تاريخية لخلخلة أركان النظام وهو في أضعف حالاته. كما أن عدم التحرك قد يوتر العلاقة مع الحلفاء الإقليميين، لاسيما إسرائيل التي قد تلجأ لـ "عمل منفرد" يجر واشنطن لصراع غير مخطط له. وأخيراً، فإن التراجع دون تنازلات جوهرية يعني قبولاً ضمنياً بإيران كدولة "عتبة نووية"، مما قد ينهي معاهدة حظر الانتشار النووي في الشرق الأوسط ويطلق سباق تسلح نووي.
بالتأكيد، هذه المعادلة الصفرية ليست قدراً محتوماً، بل هي أحد السيناريوهات المطروحة، وعلى طاولة المفاوضات هناك الكثير من حلول الوسط التي يمكن أن تصبح مخرجاً للأزمة. لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن إيران، في حال توقيع اتفاقية شاملة، سيكون أمامها فرصة قوية للاندماج في الاقتصاد العالمي وجذب استثمارات بمئات المليارات، لكن يظل الداخل الإيراني هو من سيضع كلمة النهاية، سواء لهذا النظام أو للاتفاق المحتمل.