لحظة تمرد :
بقيت في المساحة الضيقة والحاسمة التي تفصل بين شهيق الحياة وزفير الرحيل فترة من الزمن توقف فيها تماماً ، أقصد لا أدركه .. وأصبح صوت "المونيتور" هو الإيقاع الوحيد المسموع، عشت 96 ساعة خلف أبواب العناية المركزة لمرضى قسطرة القلب بمستشفى المقطم للتأمين الصحي ، هنا يكتشف الإنسان أن "النفس" الذي يخرج ولا يعود هو أثمن ما يملك.. أربعة أيام بدأت بجلطة مباغتة ليس بيني وبينها سابق معرفة ، وموت بيني وبينه لحظات و أصرار علي المقاومة بالجهل يمكن أو بإحساسي بضرورة التسامي عن الألم بتجاهله ، وداخل غرفة القسطرة، وتحت قيادة الاستشاري الدكتور إبراهيم عيسى، كان الفارق بين الحياة والموت "نصف ساعة" فقط.. أو أقل .. معه ومع فريقه شاهدت قلبي وهو يُفتح شرايننه من جديد على شاشات التليفزيون .. تحدثت مع الله وتوسلت اليه .. أطمئننت حين تيقنت أن يد الله فوق ايديهم وعاد الي قلبي نَفَس الحياة وروحها التي كادت أن تغادر.
* في غرفة العناية لا أعرف ليل من نهار ، النور النيون المستمر يشعرك ان الليل بلا نهار ،عشرات الوجوه من ملائكة الرحمة ، رائحة معقمات نفاذة، ووجع يمتد من الصدر ليشمل كل زوايا الروح. من حولك، تسمع أنيناً خافتاً من "جار" لا تعرف اسمه، وتشاهد "خيال ملك الموت" يحلق أحياناً فوق سرير مجاور مع حكايات متناثرة عن ساكن هنا غادر للآخره تاركا بعض آلامه وحكايته ... هنا تسقط الألقاب.. لا فارق بين وزير وغفير ، غني وفقير
في هذا "البرزخ" الطبي، الجميع يرتدي ذات الثوب الأزرق الباهت او المنقوش علي اللحم ،الجميع معلق بخيوط واهية من أجهزة التنفس والمحاليل...هنا يتساوى من كان يملك الدنيا بمن لا يملك قوت يومه، الكل يرجو "دقة قلب" واحدة منتظمة،.هنا تسقط التيجان وتختفي الأرصدة، ولا يتبقى إلا جسد عليل وروح تبحث عن السكينة.
• وسط هذا السكون المهيب، تظهر "ملائكة" لا ترتدي أجنحة، بل ترتدي معاطف بيضاء ... أطباء وممرضون يواصلون الليل بالنهار، ليس سعياً وراء أجر مادي أو مجد شخصي، بل في صراع مستميت لاستعادة نبض كاد أن يتوقف .. ، حين يداهم الألم جسدك وتستعد لقسطرة جديدة والقلب في أضعف حالاته، تجد يد ممرضه تطبطب على كتفك بكلمة "هانت يا بطل"، وعين طبيب لم ينم منذ 24 ساعة تراقب بدقة متناهية أدق تفاصيل مؤشراتك الحيوية..هؤلاء الشباب من الأطباء والممرضين يعيدون إليك الإيمان بأن مصر بخير، ليس بالشعارات، بل بالعمل تحت ضغط هائل، وبإمكانيات قد تكون محدودة أحياناً، لكنها تُعوض بإخلاص منقطع النظير أن الله قد سخر لك جنوداً يحملون عنك عبء الخوف.
* بينما كنت أتأهب لدخول غرفة القسطرة للمرة الثانية، كان الخوف يحاول التسلل، لكن "الثقة" في هذا الطاقم كانت هي الغطاء. رأيت في عيونهم إصراراً غريباً؛ إصراراً على أن "مصر بخير" ليست جملة في أغنية أو تقال في التلفزيون، بل هي واقع نعيشه في أروقة المستشفيات الحكومية حين تخلص النوايا... هنا في قسم القلب، تُهزم المادة أمام الإنسانية. رأيت الطبيب الذي ينسى طعامه وشرابه ليبقى بجوار حالة حرجة، ورأيت الممرضة التي تسهر لتراقب قطرات المحلول وكأنها حبات من ذهب. هذا الإخلاص "بلا هدف مادي" هو ما يجعل لمهنة الطب قدسيتها التي فُقدت في أماكن كثيرة، لكنها لا تزال تنبض في قلب المقطم.
* مواقف وحكايات وسط هذا الضغط الرهيب، استوقفتني لقطة إيمانية هزت وجداني؛ الممرضتان هاجر ونسمة كنّ يؤدين واجبهن وهن صائمات في أيام شهر رجب المبارك... تخيلوا معي ممرضة تعمل لـ 18 ساعة متواصلة في بيئة مشبعة بالألم والوجع والأهات ، وحين يشتد عليها التعب تبتسم فى انتظار اذان المغرب ، تسرق لحظات خاطفة لتلتقط "لقيمات" بسيطة تسد بها رمق صيامها، ثم تعود فوراً لإنقاذ روح.. لم تكن تجلس لتأكل، بل كانت "تخطف" اللقمة لتستعيد قوتها من أجل المرضى، في تضحية نبيلة تجعل من العمل والعبادة سيمفونية واحدة. الخدمات المعاونة لا تقل بطوله ونماذج متعدده مثل ايمان وام محمد وام احمد
• من أهم سمات "التأمين الصحي" أنه الملاذ الأول والأخير لكبار السن، أرباب المعاشات الذين أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن. رأيتهم هناك بملامحهم المصرية الأصيلة، يأتون ومعهم "وجع السنين" كله؛ أجساد أهلكها الكدح، وقلوب تحمل ذكريات جيل كامل. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل هم "بركة" هذا المكان، وعندما يجدون يداً حانية من طبيب أو ممرض، تلمح في عيونهم امتناناً يغسل كل تعب الطريق. إن الرهان على إنسانية هؤلاء البشر هو الرهان الرابح دائما لوجع السنين..
• هنا تتفوق "الإنسانية" على "المادية".. فلا شك أن استيعاب آلاف المترددين يومياً، والتعامل مع طوابير الانتظار، يفرض ضغوطاً هائلة على الإمكانيات المادية والبشرية التي قد تبدو أحياناً عاجزة ، لكن المعجزة الحقيقية تكمن في "العنصر البشري". وتحت قيادة الدكتور محمد عبد الله وفريقه بمستشفى المقطم، تكتشف أن العجز المادي يتم تعويضه بـ "فائض إنساني" مذهل.. وبينما كنت أرقد في فراشي، كانت أذناي تلتقطان من بعيد أصوات البناء في الملحق الجديد الذي يرتفع خرسانة وطوباً لاستيعاب آلاف المرضي الجدد .. يبنون الحجر لتوسيع رقعة الشفاء لملايين البشر ، ولكنهم قبل ذلك يبنون "جسور الثقة" بإخلاصهم.
منحوني بعد 96 ساعه نبضا لا يعرف الاستسلام وخرجت بقلب يتعافي، وبيقين بأن الوجع سيزول، وذكريات طيبة تبقى. .. لكم المهم اننا في بلد معطاء يداوي جراحه بأيدي أبنائه.. تحية إعزاز لكل يد وضعت طوبة في الملحق الجديد، ولكل يد أمسكت بسماعة أو بالون أو دعامة، ولكل ممرضة صائمة، ولكل زميل في "الجمهورية" أربك هدوء المستشفى بحبه، ولابنتي فرح التي تحملت عبء "رنين الوفاء" في أصعب اللحظات.
نعم، مصر بخير.. الوجع قد يزول، لكن الذكرى الطيبة لمن وقف بجانبك في لحظة ضعفك تبقى أبد الدهر. نحن في بلد معطاء، يداوي جراحه بأيدي أبنائه، ويثبت للعالم كل يوم أن "الإنسان" هو أغلى ما نملك طالما أن هناك عقولاً مثل د. إبراهيم عيسى وفريقه ، وقلوباً مثل د. محمد عبد الله، وأصدقاء يحولون أي محنة إلى ملحمة حب وطنية وانسانية بامتياز.
[email protected]