رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

في مقابلة مطولة وشاملة أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع مراسلي صحيفة "نيويورك تايمز" في المكتب البيضاوي، عرض الرئيس رؤية أمنية وسياسية متشددة، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لا يمانع في استخدام القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة دون قيود القانون الدولي، وصولاً إلى إجراء تغييرات جذرية في السياسة الداخلية والصحة والهجرة.

أوضح ترامب أنه لا يعتبر القانون الدولي عاملاً مقيداً له، وقال: "أخلاقي وتفكيري هما الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني. لست بحاجة إلى القانون الدولي، فالأمر يعتمد على تعريفكم له".

وأضاف أن استراتيجيته القائمة على عدم توقع النتائج والاستعداد الدائم لاستخدام القوة العسكرية هي ما يسمح له بفرض إرادة الولايات المتحدة على الدول الأخرى.

إن شهية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما زالت في بدايتها، ونحن الآن على بُعد ثلاث سنوات من انتهاء ولايته الثانية. وتؤكد حصيلة أفعاله في عامه الأول في البيت الأبيض على عنصرين؛ الأول: أن أفعاله غير متوقعة، والثاني: أنه لا يهتم بردود الأفعال.

بدأ ترامب حربه ضد فنزويلا بذريعة محاربة تجارة المخدرات، إلا أن حالة الفخر التي أعلن بها عن اعتقال الرئيس مادورو، وصراحته وهو يقول إنه تم "الاستيلاء" على النفط الفنزويلي، وأن شركات التعدين الأمريكية هي التي ستدير تلك الثروة، لم تترك مجالاً لذكر كارتيلات المخدرات. بدلاً من ذلك، وضع ترامب كل النقاط اللازمة لإيصال رسالته للجميع: "القوة ولا شيء دونها".

إيران وكولومبيا وجرينلاند، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي، كانت جميعها في مرمى رسالة ترامب. ويدرك الجميع أنه لو قرر الاستيلاء على الجزيرة التابعة للدنمارك فلن يوقفه أحد، وأقصى ما يمكنهم فعله سيكون محاولة خجولة لاستيعاب تلك الخطوة ووضعها في إطار من "التفاهم الإجباري" الذي سيفرضه عليهم ترامب أيضاً.

على كل حال، ليست كل خطوات ترامب شراً مستطيراً، فبعض الأطراف قد يستفيد منها. على سبيل المثال، يؤكد الحديث الدائر حالياً وجود صفقة مع الصين تسمح لها بالتصرف بحرية أكبر مع تايوان، التي تعد جزءاً أصيلاً من أراضيها، مقابل غض الطرف عن نفط فنزويلا الذي تعتمد عليه بكين بنسبة كبيرة، وأيضاً عدم معارضة واشنطن في خطوتها المقبلة تجاه منطقة جرينلاند. حتى إن الصحف الأمريكية نقلت عن ترامب قوله إن الوضع في تايوان متروك للرئيس الصيني. والحال في أزمة أوكرانيا بالنسبة لروسيا مشابه إلى حد كبير لما هو عليه مع بكين؛ إذ يمكن أن نلمح بكل وضوح أن جميع المسائل التي تم الاتفاق عليها فيما يتعلق بالسلام المحتمل تصب في صالح موسكو. وهنا أيضاً تشير تقارير غربية عديدة إلى أن ترامب يمنح بوتين ما يريد مقابل غض الطرف عن جزيرة جرينلاند.
وإذا كان الحال كذلك، فهناك في الشرق الأوسط من يريد هو الآخر أن يجد مكانه في النظام العالمي والإقليمي الجديد من خلال لعب دور "شرطي المنطقة"، والمقصود بطبيعة الحال "إسرائيل"؛ التي ترى أنه آن الأوان لتولي إدارة المنطقة مدعومة بالنتائج التي حققتها مع ترامب في أعقاب حرب السابع من أكتوبر. إلا أن الصورة لم تكتمل بعد، ولأن ترامب لا يعترف إلا بلغة القوة والمال وأن لكل جائزة ثمناً، فقد قدم بنيامين نتنياهو ثمناً للعب هذا الدور، وأعلن أن إسرائيل ستستغني عن الدعم العسكري الأمريكي المقدر بأكثر من 3 مليارات دولار سنوياً، والذي يُقدم لتل أبيب من جيوب دافعي الضرائب الأمريكيين.

وجّه ترامب تهديدات لا حصر لها ضد قادة العالم شرقاً وغرباً. وبعد التعهد بالاستيلاء على نفط فنزويلا دون أي مواربة، يندرج هذا بلا شك ضمن النهج الأوسع لإدارة أعطت الأولوية المطلقة لمصالح الولايات المتحدة.

كانت البداية ضرب إيران، الأمر الذي أقنع الإدارة الأمريكية بأن استخدام القوة يمكن أن يتم بطرق تعزز مبدأ "أمريكا أولاً"، وتوسع دائرة مكاسبها دون توريطها بالضرورة في صراع خارجي تسيل معه دماء الجيش الأمريكي.

هناك تحولات حقيقية في النظرة العالمية تجاه ترامب؛ فقد أصبح نصف الكرة الغربي أكثر أهمية بكثير في فهم الإدارة للقوة الأمريكية حول العالم. وهناك عامل آخر يسهم في تعزيز قوة ترامب؛ فعملياً، تمثل ولايته الحالية الفترة الأخيرة له في البيت الأبيض، ولم يعد يحيط به في دائرته المقربة من يقيدونه كما كان الحال في ولايته الأولى. وهذا يشعره بمزيد من الحرية والانطلاق، ويجعله أكثر استعداداً لاتخاذ خطوات جذرية في مناطق أخرى حول العالم.

كانت الرسالة الموجهة للعالم عبر بوابة فنزويلا واضحة ومقصودة، مفادها: "خذوا تهديداتنا على محمل الجد، واقبلوا بالاتفاق قبل أن يصل الأمر إلى هذا الحد". وهذا هو ما فعله مع كوبا و"جرينلاند" التي اصبحت مختبرا لما بعد سقوط ثوابت السياسة السابقة واولها القانون الدولي. فهو يستخدم النهج نفسه الذي اتبعه طويلاً مع حلف الناتو؛ البدء بمهاجمتهم ثم إجبارهم على الرضوخ. وبالفعل نجح سابقاً في حث الناتو على زيادة الإنفاق الدفاعي بعد حملة ضغط وتهديدات بالانسحاب.

والدنمارك التي تنتمي إليها تلك الجزيرة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وسبق أن حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن أي محاولة للاستيلاء بالقوة على الجزيرة ذات الحكم الذاتي الغنية بالمعادن، ستعني "نهاية كل شيء"، بما في ذلك نظام الأمن القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

البلطجه. هي استخدام القوة خارج إطار القانون والشرعية، يبدو أن الهدف ليس أقل من الهيمنة على نصف الكرة الأرضية، وما يصاحب ذلك من قوة وثروة. إنه يريد إظهار قوة أمريكا وهيمنتها عبر وسائل متعددة، بما في ذلك القوة العسكرية على سبيل المثال لا الحصر، ومن الواضح أنه مصمم تماماً على تفعيل هذه الرسالة خلال ما تبقي من ولايته في البيت الأبيض.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة