رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


يفرق علم السياسة بين قدرة الدولة و قوة الدولة، فالأولى تشير إلى مجموع طاقات وموارد الدولة، سواء التي تستخدمها أو تلك التي لا تستخدمها وتُساهم بصورة مباشرة في تحرك تلك الدولة سياسياً لتحقيق مصالح خاصة بها، أما القوة فهي تعبئة تلك الطاقات والموارد وتحريكها من خلال الإرادة والقرار السياسي، وتشمل الأدوات الدبلوماسية والعسكرية وغيرها.
و الآن يعود النقاش المتعلق بالقدرة والقوة في العلاقات الدولية ليشغل الباحثين و السياسيين و صناع القرار عندما استشعروا لحظة قادمة يتأهب فيها ميزان القوى العالمي لإعادة تشكل في ظل حراك سياسي جديد يشهده العالم لاسيما المتعلق منه بالجغرافيا و في خضم صعود متسارع لقوى دولية جديدة و جديدة قديمة تحاول استعادة مكانها على ميزان القوى ، و ما من شك أن تصادم المصالح والصراع على النفوذ يفرض على الجميع تبني استراتيجيات قائمة على سلطة القدرة والقوة،
فبالنظر للصراعات الدائرة في العالم الآن سنجد على سبيل المثال دولة تمتلك القدرة لكنها مع الأسف ينقصها القوة الكافية لاستغلال هذه القدرة، و أقصد القوة هنا بمفهومها الشامل.
الشاهد أن العلاقات الدولية تتسم بالديناميكية والتطور، و التغير من حال إلى حال وفق مصالح عناصر المجتمع الدولي مع بعضها و وفق التطور الحقيقي في مفهومي القوة و القدرة لكل دولة، فلا جدال في أن هناك دول تلاشت و اختفت و دول أخرى تمزقت ، و في المقابل هناك دول نهضت من بعد ضعف و اختارت مسارات تعزز بها قوتها و قدرتها لتكتسب مكانا على الخريطة ، وتستعيد أمجادها و بمناسبة الخريطة فلا خلاف أيضا على أن خريطة العالم كانت منذ قديم الأزل مادة خصبة للصراعات و التنافس على القوة و القدرة فأكم من دول ابتلعت دول أخرى في لحظة ضعف للأخيرة ،
اخترت الحديث عن قوة و قدرة الدولة لأشير إلى أن الدول التي لن تنتبه لتعزيز قوتها و قدرتها ستواجه تحديات كثيرة أهمها تحدي البقاء، و مقاومة التآكل من الداخل.
وفي الحالة المصرية أتعجب من هؤلاء الذين يستكثرون على دولة كبيرة قديمة مثل مصر ، وراؤها سبعة آلاف سنة حضارة أنها تصارع من أجل تعزيز قدرتها و تفعيل قوتها الصلبة و الخشنة، و يربطون مستقبل الدولة بمجرد أهداف وقتية صغيرة ، و يحاولون بث الفرقة بين الشعب و مؤسسات الدولة ، زاعمين أن الحكومات المتعاقبة تتبنى أهداف و مشاريع يصفونها بالوهمية، أتعجب من أشخاص يفضلون انتظار السمك كل يوم و لا يريدون تعلم الصيد، أناس يطلبون الحماية و استقلال القرار السياسي و يستنكرون تسليح الجيش وبناء القوة العسكرية؛ أناس يتحدثون عن غياب أو ضعف الاستثمارات الخارجية و يرفضون مشاريع البنى التحتية، و الطرق ، أتعجب من هؤلاء الذين يتحدث العالم كله عن حضارتهم و آثارهم و متحفهم الكبير، و هم يرون الآثار حجارة و المتحف الكبير عبء على الدولة، واحتفال المصريين بالمتحف الكبير بدعة و ضلال ، أناس لا يقدرون قدرة دولتهم ولا قوتها الشاملة ، و يتصيدون في أي ظروف اقتصادية صعبة قد يمر بها أي بلد في العالم ، هؤلاء هم من قالوا أن قناة السويس الجديدة ترعة أو تفريعة أو " طشت أم وجدي غنيم" وهم من قالوا أن العاصمة الإدارية الجديدة "فنكوش" و المنورويل بزخ لا أهمية له،و هم أيضا من تزعجهم في كل مرة طوابير الانتخابات في أي استحقاق دستوري و يصفونها بالمسرحيات ، لمجرد أنهم منبوذون و لا رصيد لهم عند الناس، هؤلاء لا يحبون الخير للبلد و لا لأنفسهم و لا يحبون حتى أنفسهم ، الحقد أعمى قلوبهم فهم لا يبصرون ، و صاروا أعداء لكل و أي شيء، لا يهمهم قدرة و لا قوة الدولة قدر ما تعنيهم قدرة و قوة من يدفع لهم لأنهم في الأخير جوقة من المرتزقة انطلقوا عبر إعلام سياسي فاسد،يتغذى على الشائعات و الفتن و يستهدف تفتيت المجتمعات من الداخل و تفعيل مخطط الفوضى.
في حين يتنافس المتنافسون في العالم الآن على نوع مستحدث من القوة هو "القوة الذكية"، يعكس قدرة الدولة على تسخير مقومات قوتها العسكرية والاقتصادية والناعمة معاً من أجل تحقيق مصالحها الوطنية، تجد من يريد بنا أن نعود للعصر الحجري أن نعود لحرب الرماح و السهام في عصر الحروب الإلكترونية، و الدعائية، فالآن مفهوم القوة لا ينحصر في القوة التقليدية ( العسكرية والاقتصادية) أو الحديثة وهي الناعمة، بل يجمع الأسلوبين معاً، الأمر الذي يمنح الدولة أفضلية كبرى على الساحة الدولية.. و الدولة التي تتوفر لها هاتان القوتان ينبغي التفاخر و التباهي بها و ليس مهاجمتها، فالعلاقات الدولية تتطور بتطور الدول وبقدرتها على تحديد مصالحها الوطنية والأسلوب الذي يخدمها لتحقيق تلك المصالح ومدى البراعة وفن التخطيط الاستراتيجي، لتطبيق ذلك الأسلوب سواء بالقوة التقليدية أو القوة الناعمة أو كلتيهما، الدول التي تخطو للأمام لا تلتفت لصراخ الحمقى في الإعلام المشبوه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة