رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


حتى قبل دخوله الثاني إلى البيت الأبيض، يؤمن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن لديه فرصة تاريخية لإعادة تشكيل موازين القوى في العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط. وباعتباره رجل أعمال يدرك جيدًا أن الحروب ليست جيدة للأعمال ورأس المال، وأثناء خطابه في الكنيست الإسرائيلي، أعلن أنه جاء إلى المنطقة لإنهاء الحروب وليس لإشعالها. إلا أنه كان يدرك أيضًا أن هناك طرفًا وحليفًا في نفس الوقت (بنيامين نتنياهو) ربما يشترك معه في جزء من الرؤية، لكنه يختلف معه في الوسائل.
هذا الخلاف على الوسائل تسبب في عرقلة البدء في المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ المتعلق بتشكيل سلطة التكنوقراط المؤقتة في قطاع غزة، مما أحرج ترامب أمام حلفائه في المنطقة الذين راهنوا على قدرته في إلزام نتنياهو بتنفيذ بنود الاتفاق. وهو ما اضطره إلى إرسال فريقًا من “بيبي سيتر” – وهذا هو وصف الصحف الإسرائيلية، وبيبي هو اسم التدليل لبنيامين – يضم نائب الرئيس جي دي فانس، جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، لمراقبة نتنياهو الذي يعلم أنه بحاجة إلى عفو من الرئيس. كما يعلم أن الوزيران سموتريتش وبن غفير يمسكان به من عنقه، وأن كل يوم يمر دون التقدم إلى المرحلة الثانية يعزز تواجد حماس على الأرض، ويطيح بخطته للمنطقة ليس في غزة فقط، بل أيضًا لسوريا ولبنان والخليج العربي، وحتى إيران.
التصريحات والأحداث التي جرت أثناء وبعد زيارة فريق ترامب تؤكد بوضوح أن الولايات المتحدة لن تسمح لحماس بالاستمرار في البقاء في غزة وهي مسلحة، أو أن تشارك في الإدارة الجديدة للقطاع. لكن في نفس الوقت، لن يسمحوا لإسرائيل بالانسحاب من وقف إطلاق النار… وهنا ظهر الخلاف وحجم الضغوط الأمريكية على تل أبيب، حتى إن نتنياهو خاطب فانس بقوله: “إسرائيل ليست محمية أمريكية، وأنها الوحيدة صاحبة الحق الحصري فيما يتعلق بأمنها القومي”. وبقدر ما أحرجت الكلمة فانس، إلا أنه أكد أن الولايات المتحدة لا تريدها محمية، ولكن شريكًا. وأضاف: “يعتقد الرئيس اعتقادًا راسخًا أن إسرائيل ستكون قادرة على لعب دور قيادي إيجابي في المنطقة. نحن نرى فرصة للبناء على اتفاقيات إبراهيم، والاتفاق في غزة هو جزء مهم من توسيع هذا الاتفاق”.
في نفس يوم اللقاء، اجتمع الكنيست ووافق في قراءة أولية على اقتراح ببسط السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية. صحيح أنه قراءة أولية، إلا أنها تكفي لإزعاج ترامب الذي تعهد للدول العربية والخليجية بعدم السماح لنتنياهو بضم الضفة.
بالفعل، يعمل الأمريكيون على المرحلة الثانية من الصفقة، والتي تشمل إنشاء قوة عسكرية لتحقيق الاستقرار تتمركز فعليًا في قطاع غزة، وسيكون دورها التأكد من نزع سلاح حماس ونزع سلاح غزة. ولكن حتى لو لم تتحرك إسرائيل عسكريًا وانتهكت وقف إطلاق النار، فلن تقصف إسرائيل غزة بينما يوجد جنود أجانب هناك. ستكون قوة الاستقرار ثقلًا موازيًا لحماس، وستعطي السكان الشعور بأن هناك من يحميهم.
في الوقت نفسه، يقوم الأمريكيون بإنشاء آلية للسيطرة المدنية على غزة، وهذا يشير إلى حكومة التكنوقراط التي ستتألف من خبراء فلسطينيين ودوليين. وذكرت قناة “كان نيوز” أن حماس ستشارك في انتخاب نصف هذه الحكومة، لذلك من الواضح للجميع أن المنظمة لن تفقد السيطرة على غزة.
وهو ما جعل إسرائيل تسارع إلى القول إنهم هم الذين يحددون هوية جميع أعضاء الحكومة، وأعلن المسؤولون: “لن نسمح لحماس بالمشاركة في إدارة غزة، تمامًا كما هو مكتوب في الاتفاق”.
واستخدمت إسرائيل حق النقض (الفيتو) ضد دخول القوات التركية والقطرية إلى غزة، وقال فانس إن الولايات المتحدة لن تجبر جيوشًا أجنبية على إسرائيل لا تريدها، وإن هذه الدول يمكنها مساعدة غزة بطرق أخرى: المال، وإعادة الإعمار، والمساعدات الإنسانية.
وهذا يقودنا إلى المرحلة التالية: مرحلة إعادة إعمار غزة. يحتاج الأمريكيون إلى المال العربي – وخاصة المال الخليجي – وهم يفهمون جيدًا أن بلدان الخليج لن تضع دولارًا واحدًا إذا اعتقدوا أن حماس لا تزال تسيطر على قطاع غزة. فهذه هي الفرصة الوحيدة لغزة لإعادة التأهيل.
إذن، إزاحة حماس من المشهد هي الشرط الأساسي لإعادة إعمار قطاع غزة، وفي هذا السياق يبعث الأمريكيون برسالة تفهمها وتدعمها دول كثيرة في العالم. لذلك، فإننا سنكون أمام تغييرات في آليات التعامل مع حماس مستقبلًا، حتى من جانب الوسطاء. وهنا ألمح فانس إلى أن الدول التي دعمت حماس في الماضي تدرك أنها بحاجة إلى تغيير أساليبها.
الرئيس الأمريكي يرى أن لغة المال والأعمال والاقتصاد يمكنها القفز فوق الجغرافيا والتاريخ، وإصلاح ما أفسدته السياسة والموروثات العقائدية، وإحداث تناغم بين دول المنطقة بالسلام والتعاون الاقتصادي. أما نتنياهو فيؤمن بالجزء المتعلق بالمال والاقتصاد فقط، والسلام مقابل السلام، ويتعلل بعدم قدرته على القفز فوق الجغرافيا والتاريخ والموروثات بالمتطرفين اليهود. لذلك، فالأخير لا يرى أن هناك ضرورة للربط بين موافقته على الدولة الفلسطينية مقابل توسيع الاتفاق الإبراهيمي.
وبالفعل، فإن تاريخ المفاوضات مع إسرائيل يؤكد رفضها ربط مسارات التفاوض. الأزمة التي كادت تطيح بمفاوضات السلام في كامب ديفيد كانت إصرار الرئيس الراحل أنور السادات بربط مسار المفاوضات الثلاثة (مصر-سوريا-فلسطين) من جانب، وإسرائيل في الجانب الآخر. ورفض الفلسطينيون والسوريون الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فاقتصرت المباحثات على الجانبين المصري والإسرائيلي، وصولًا إلى كامب ديفيد.
نتنياهو يرفض فكرة الدولة الفلسطينية لأسباب أن: ربط مسارات التفاوض استراتيجية مرفوضة تاريخيًا في إسرائيل، ووضع الاعتراف بالدولة الفلسطينية كشرط مقابل استكمال الاتفاق الإبراهيمي مع السعودية مرفوض أيضًا. وبمنطق موازين القوى التي تعمل حاليًا لصالح إسرائيل، وفي لحظات الزهو التي تعيشها بعد التخلص من إيران وأذرعها بشكل كبير، بالتالي لا يوجد أي مبرر لقبول مثل هذا الشرط. بل ترى أنها قادرة على فرض شروطها على الآخرين، وليس العكس.
كما أن هذا الاعتراف يمثل جائزة كبرى لحماس، وتبعًا لوجهة نظره فإن التاريخ سيذكر أن السابع من أكتوبر هو الذي أدى إلى الدولة المستقلة، وسيصبح هذا السرد الفلسطيني المعتمد. وفيما بعد، سيُعتبر هذا اعترافًا بقدرة المقاومة في تحقيق أهدافها، بالتالي يمكن أن تصبح سابقة يمكن تكرارها مستقبلًا.
أيضًا، المتطرفون في حكومة تل أبيب يمكنهم أن يطيحوا بالحكومة الإسرائيلية، والبديل سيكون اللجوء إلى الانتخابات المبكرة، وهذا على الأقل سيؤدي إلى تأجيل أو تجميد، وربما انهيار، ما تم التوصل إليه وتحقيقه من خلال اتفاقية شرم الشيخ.
الخلافات الأمريكية الإسرائيلية تاريخية معروفة، وربما تصل إلى ذروتها في كثير من الأحيان، إلا أنه بمقتضيات الحاجة والظرف الراهن تهدأ الأمور استعدادًا لجولة جديدة من تمرد التابع على المتبوع. ولكن على الرغم من حالات الإنكار، فإن هذا ما سنراه من الآن فصاعدًا: التدخل الأمريكي المكثف. لن يسمحوا للأعمال بالانهيار. أولًا وقبل كل شيء، يريدون أن يروا عودة جميع جثث الرهائن إلى إسرائيل.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة