ساعات قليلة تفصلنا عن اللحظة التاريخية التى طال انتظارها، لتحقيق الحلم والإنجاز الحضارى الضخم بافتتاح المتحف المصرى الكبير، الهرم المصرى الرابع، والذى يتوج بافتتاحه رسميا فى أول نوفمبر القادم سنوات من العمل الجاد و المتواصل والذى يعد نقلة نوعية فى عرض وتوثيق الحضارة المصرية القديمة، ليغدو بحق مشروع القرن الحادى والعشرين الحضارى.
فالمتحف المصرى الكبير ليس مجرد مبنى أو تصميم معمارى مبهر وإنما هو كنز لا يقدر بثمن ، وشعاع نور يضىء سماء العالم من أمام العجيبة الوحيدة المتبقية من عجائب الدنيا السبع "هرم خوفو" الذى بناه الأجداد قبل آلاف السنين ليكون شاهدا راسخا على عظمة حضاراتهم التى بسطت ضوءها على الإنسانية ، وهاهم الآبناء من جديد يعيدون صناعة الأمجاد ببناء الصرح الحضارى الأضخم فى القرن الجديد للتواصل رحلة الحضارة المصرية من الأجداد إلى الأحفاد ليتأكد للجميع أن مصر جاءت ثم جاء التاريخ ، فمن لا يملك ماضيا لا يملك حاضرا ولا مستقبلا.
وبافتتاحه يصبح المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، هي حضارة مصر القديمة، حيث أقيم على مساحة شاسعة تبلغ نحو 490 ألف متر مربع، ليكون صرحا معماريا فريدا يليق بعظمة الحضارة المصرية.
ويضم المتحف مدخلا رئيسيا تبلغ مساحته نحو 7 آلاف متر مربع، يتوسطه تمثال الملك رمسيس الثاني في مشهد مهيب يستقبل الزوار منذ اللحظة الأولى، كما يحتوي على أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تمثل مختلف العصور التي مرت بها مصر، لتروي مجتمعة قصة تطور الحضارة المصرية على مر آلاف السنين.
ويعد الدرج العظيم أحد أبرز معالمه المعمارية، إذ يمتد على مساحة تقدر بنحو 6 آلاف متر مربع، ويبلغ ارتفاعه ما يعادل ستة طوابق، في تصميم يربط بين الماضي العريق والحاضر الحديث.
ويضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية تبلغ مساحتها الإجمالية حوالي 18 ألف متر مربع، بالإضافة إلى قاعات للعرض المؤقت تقام بها المعارض الخاصة بمساحة تقارب 1700 متر مربع، بما يسمح بتجديد محتوى المتحف وإثراء تجربة الزائر باستمرار.
ويعرض المتحف حوالى ١٠٠ الف قصة وحكاية حضارية ترويها 100ألف قطعة أثرية تحكي تاريخ الحضارة الفرعونية ، ولعل أهم وأروع الحكايات تلك التى تقصها ٥٥٠٠ قطعة تعرض كاملة لأول مرة من مجموعة كنوز الملك والفرعون الذهبى توت عنخ آمون والذى أقيمت قاعات عرض مقتنياته على مساحة تقارب 7.5 آلاف متر مربع، لتقدم رؤية متكاملة لتاريخ هذا الفرعون الفريد.
ولعل ما لا يعرفه كثيرون أن الوصول إلى لحظة افتتاح المتحف المصري الكبير لم يكن بالأمر السهل، إذ استغرق هذا الحلم أكثر من ثلاثين عاما من العمل والتخطيط المتواصل.
فقد بدأت فكرة إنشاء المتحف في تسعينيات القرن العشرين، وتبلورت رسميا في عام 2002 مع وضع حجر الأساس بعد الانتهاء من الدراسات الأولية اللازمة، ليطلق حينها مسابقة معمارية دولية لاختيار أفضل تصميم لهذا الصرح الحضاري.
وقد فاز بالمسابقة مكتب استشاري صيني–إيرلندي مقره العاصمة دبلن، وامتاز تصميمه برؤية هندسية مبتكرة تقوم على أن تمثل أشعة الشمس الممتدة من قمم الأهرامات الثلاثة عند التقائها الكتلة المخروطية للمتحف المصري الكبير، بحيث يبدو المتحف من الأعلى كأنه الهرم الرابع في امتداد بصري مذهل مع الأهرامات.
عقب ذلك، بدأت أعمال التمهيد للموقع وإزالة العوائق الطبيعية، إلى جانب إنشاء مركز متكامل لترميم الآثار لصيانة وتأهيل القطع الأثرية التي تقرر عرضها داخل المتحف.
ومع اندلاع أحداث يناير 2011، توقفت أعمال المشروع لفترة من الزمن، قبل أن يعيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إحياء المشروع ويمنحه دفعة قوية نحو الإنجاز.
ومع تضافر الجهود، انطلقت أعمال البناء والتجهيز بوتيرة متسارعة حتى تم الوصول إلى مرحلة التشغيل التجريبي في 16 أكتوبر 2024، استعدادا لافتتاحه الرسمي المقرر في الأول من نوفمبر القادم.
ولم تقتصر مكانة المتحف المصري الكبير على كونه صرحا حضاريا ومعماريا فريدا، بل امتدت لتنال إشادات عالمية وجوائز دولية مرموقة تؤكد قيمته على المستويين الثقافي والهندسي.
فقد حصد المتحف ثماني شهادات “ISO” في مجالات متعددة تشمل الطاقة، والصحة والسلامة المهنية، والبيئة، والجودة، وهو إنجاز يعكس التزام القائمين عليه بأعلى معايير التشغيل الدولية ،كما حصل على شهادة “EDGE Advance” للمباني الخضراء لعام 2024، ليصبح بذلك أول متحف أخضر في أفريقيا والشرق الأوسط.
كما توج المتحف بجائزة “فرساي” العالمية كأحد أجمل المتاحف في العالم لعام 2024، تقديرا لتصميمه المعماري المبتكر الذي يجمع بين الأصالة المصرية والحداثة الهندسية، فضلا عن فوزه بجائزة أفضل مشروع على مستوى العالم لعام 2024 من الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (FIDIC)، وهو تتويج يعكس حجم الجهد والدقة التي صاحبت تنفيذ هذا المشروع التاريخي.
وفي الوقت نفسه، أشاد دليل السفر العالمي “Lonely Planet” بالمتحف، مؤكدا أنه يعد أكبر مجمع متاحف أثرية في العالم مخصصا لحضارة واحدة، مما يتيح للزائر رحلة فريدة عبر مختلف العصور المصرية القديمة.
كما أكدت منظمة اليونسكو أن المتحف المصري الكبير سيمنح الزائرين تجربة استثنائية، تتيح لهم التنقل عبر أكثر من خمسة آلاف عام من التاريخ المصري القديم في إطار بصري ومعرفي متكامل يجمع بين العلم والفن والتراث الإنساني.
وفى الأخير ونحن على أعتاب افتتاح المشروع الأعظم أؤكد المتحف المصري الكبير لم يتم تشييده ليكون مجرد حارس للآثار أو مستودعا للحجارة الصامتة، بل هو آلة حضارية نابضة بالحياة، تسرد قصة الإنسان المصري منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، ولن تقتصر زيارة المتحف على رحلة إلى العصر الفرعوني وحده بل هي عبور بانسيابي مدهش بين العصور اليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية،وفي تجربة عرض غير مسبوقة، يوظف المتحف أحدث التقنيات التفاعلية ليجعل الزائر شريكا في رحلة الاكتشاف، لا مجرد متفرج، فتنبض القطع الأثرية بالحياة وتروي أسرارها عبر الضوء والصوت والصورة.
والافتتاح الرسمي للمتحف ليس مجرد فعالية ثقافية، بل حدث عالمي طال انتظاره، تقدمه مصر للعالم كرسالة من نور وحجر تؤكد أن الحضارة المصرية لا تزال تنبض في الحاضر كما في الماضي، بوصفها مهد الحضارة وملهمة التاريخ الإنساني كله.