رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

طيب القول



تحتفل مصر كلُّها، بمسلمِيها ومسيحيّيها، بذكرَى المولد النبوي الشريف، في مشهدٍ وصورةٍ مصريةٍ خاصَّةٍ وخالِصةٍّ، ليس لها مثيل في أى مكان في العالم كلّه، ولا يقتصر هذا على مستوى القيادات وكبار المسئولين وإنّما على مستوى كلّ فئات وأفراد المجتمع، بغضِّ النَظَرِ عن المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو حتّى السياسي، فالجميع يحرِص على هذا الاحتفال بتلقائيّة شديدة ودون ذَرَّةِ رِياء أو نِفاق.
وقد رأينا نماذج مشرِّفة ومُضيئة في كلّ ربوع المحروسة، كيف يوزِّع الأشقّاء المسيحيّون حلويّات وأُرزًا بِلَبَنٍ على المارَّة في الشوارع احتفالًا بذكرى المولد النبوي الشريف.
لكنّ الأجمل هو حِرص القيادة السياسية على التمسُّك بهذا التميُّز المصري، عبْر العصور والأزمنة، باعتباره احتفالًا نابعًا من الوجدان المصري الصافي النقيّ المُحِبِّ للحياة والسلام والمودّة والرحمة بين الناس.
النهج المصري الأصيل
ومُنذ أن تولَّى فخامُة الرئيس عبدالفتاح السيسي مسئولية البَلد، عمل على تعميق وترسيخ هذا النهْج المصري الأصيل، ليس في هذه المناسبة فحسب بل في كلّ المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية التي تزيد من قوّة وصلابة المصريين في مواجهة التحدّيات والشدائد، باعتبارها وسيلةً ومظهرً من مظاهر تجْذير وترسيخ قيم الانتماء، خاصةً حينما تتم بـ"وَعْىٍ" وإدراكٍ و"حِسٍّ" وطنيٍ مُخلصٍ للدّين والوطن ولا يبْغي إلا وجْه الله تعالى ومصْلحة الناس والمجتمع.
ويبرز هذا التوجُّه في كلّ لقاءات الرئيس السيسي، وأحدَثُها حِرصه على حضور الاحتفال الذي أُقيم بمركز المَنارة للمؤتمرات الدولية، بحضور د. مصطفى مدبولي- رئيس مجلس الوزراء- وفضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب- شيخ الأزهر- ود. أسامة الأزهري- وزير الأوقا-، ود. نظير محمد عياد- مفتي الجمهورية- إلى جانب رئيسي مجلسي النواب المستشار د. حنفى جبالي، والشيوخ المستشار عبدالوهاب عبدالرزَّاق، وعدد من السادَة الوزراء وكبار رجال الدولة.
خاصةً وأن هذا الاحتفال فى حدِّ ذاتِه كان مُمَيَّزًا واستثنائيًا لكونه لا يتكرَّر إلا كلّ مائة عام، لأنه يوافِق مرور ١٥٠٠ عام على ميلاد خاتم الأنبياء والمُرسلين- صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم- فهي "مئوية مُحمَّديّة" تتطلّب احتفالًا وحضورًا خاصًّا يليق بها.
ولذا فقد شَمِلَ برنامج الاحتفال، الذي قدَّمه باقتدار وإتقان د. أسامة رسلان- المتحدّث الرسمي باسم وزارة الأوقا-، بعد الاستفتاح بآي الذِكر الحكيم للقارئ د. ماهر الفرماوي، إلقاء قصيدة بعنوان "1500 عام في ميلاد سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم"، واستمتع الحضور بأُغْنِيَّتَين بعنوان "محمد يا رسول الله" من إلقاء ريهام عبدالحكيم، و"محمد نبينا" للفنان حماده هلال، مع فِرقة كورال وزارة الشباب والرياضة، وعرْض فيلم تسجيلي بعنوان "رحمة للعالمين".
الوفاء والانتماء
وتَرْسِيَخًا لقيم القدوة الحسَنة ومفاهيم الانتماء للوطن والتضحيّة والفِداء من أجله والحفاظ على سلامة المواطنين، تمّ منح نَوط الاستحقاق من الطبقة الأولى لاسم المرحوم خالد محمد شوقي عبدالعال- سائق سيارة نقل المواد البترولية، الذي استُشهد متأثِّرًا بإصابته إثْر حادث اشتعال سيارة إمداد بنزين داخل محطّة وقود بمنطقة العاشر من رمضان، حيث ضرب أروع أمثلة البطولة والتضحيّة والإيثار، مُقدِّمًا روحَه فداءً لسلامة زملائه والمواطنين المتواجِدين في موقع الحادث، فارتقى شهيدًا- وتسلَّم التكريم زوجتُه السيّدة سماح عبدالمقصود، وأبناؤه: أحمد، ومنة الله، وآية، وهدير.
كما تفضّل السيّد الرئيس بمنح عدد من المُكرَّمين من علماء الأزهر والأوقاف وِسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وهم: د. جلال الدين عجوة- أستاذ الحديث الشريف بكلية الدراسات العليا بجامعة الأزهر، عضو هيئة كبار العلماء- ود. رجاء مصطفى حزين- أستاذ الحديث وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة، والعميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقليوبية بجامعة الأزهر- ود. محمود إمبابي- وكيل الأزهر الأسبق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية- ود. محمد عبدالرحيم البيومي- الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والعميد الأسبق لكلية أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر فرع الزقازيق- ود. هالة رمضان- أستاذ علم النفس، ومدير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- والسيد عبدالرحمن خالد صادق، المدير العام بديوان وزارة الأوقاف.
وتأكيدًا لدور مصر العربي والإسلامي تمّ تكريم عدد من أبناء العالم الإسلامي، وهم: د. سيمور نصيروف- المحاضر بكلية الآداب جامعة القاهرة، ورئيس الجالية الأذربيجانية بمصر، ورئيس مجلس إدارة جمعية الصداقة المصرية الأذربيجانية- ود. جيم عثمان درامي، مدير الشئون الدينية بمؤسسة الرئاسة في جمهورية السنغال، والباحث في قسم البحوث والمخطوطات والدراسات الإسلامية بجامعة الشيخ أنتا ديوب السنغالية.
ويُجسِّد هذا التكريم حِرص القيادة السياسية على الاحتفاء بالعلماء والمُبدعين وتقدير دورهم في نشْر الوعي وبناء المجتمع، إلى جانب تخليد ذِكرَى الشهداء الذين يضربون أروَع الأمثلة في الفداء والتضحيّة من أجلِ الوطن.
فُرصة عظيمة
وإذا كان فخامة الرئيس السيسي قد وصَف الاحتفال بأنه فُرصة عظيمة، لإحياء منظومة القيم والأخلاق المحمَّدية، التى وصفها الله تعالى بقوله: ﴿وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم﴾.
فالرئيس أيضًا لم يقف عند حدود الوصْف فحسب بل وضع الخطوات العمليّة لتحويل واستثمار هذه الفُرصة العظيمة إلى واقعٍ مَلموس من خلال برامج عمل تنفيذية، من قِبل الحكومة والمؤسّسات والمجتمع المدني والأفراد.
قائلًا: حتى يكون احتفالُنا بالمولد النبوى الشريف، انطلاقًا حقيقيًّا ومُتجدِّدًا؛ لتجديد منظومة الأخلاق فى كل مفاصل الحياة، من إكرام الطفولة والعناية بها واكتشاف مواهبها، ومن إكرام المرأة والبرِّ بها وجبْر خاطرها، ومن الصِدْق فى القول والفعل، ومن الأمانة والوفاء، ومن مواجهة كلّ صور الحُزن والقنوط واليأس، ومن المواجهة الجسورة لكلّ صور الغُلُو والتطرّف والعنف والإرهاب، ومن بعْثِ الهِمم فى القلوب للعُمران، ومن العناية بالعِلم والبحث العلمى فى كافّة ميادينه ومجالاته، ومن الوفاء للوطن والحفاظ عليه، والاستعداد للموت والشهادة فى سبيل حمايته، والسعى فى جمع شمْل كلّ أبنائه على الخير والنجاح، ومن الصبر على الأذَى والصَفْح عنه، ومن صناعة الحضارة وبناء المؤسّسات وتشغيل كلّ الطاقات، ومن إدارة علاقات دوليّة مستقرّة وموزونة ومتجرِّدة، فهكذا كان شأن سيّدنا محمد ﴿صلّى الله عليه وسلّم﴾، وهكذا ينبغى أن يكون احتفالُنا بيوم مولده الشريف.
الحُبُّ الحقيقي
وهكذا ينبغى أن نُترجم حبَّنا لمقامِه العظيم ﴿صلّى الله عليه وسلّم﴾، إلى برامج عمل مُنيرة بنور الإيمان والحبّ لله ولرسوله، تقوم بترشيد واقعنا المعاصر وتُنير له الطريق، حتى يكون حبُّنا له مُحرِّكًا وباعثًا لتحقيق مقاصد شرْعه الشريف، ودينه السمْح الحنيف.
وأكَّد فخامة الرئيس السيسي أن الدولة المصرية، وهى تحتفل اليوم، بألف وخمسمائة سَنة من ذكرى مولده الشريف، لتعقد العَزْم على المُضِىِّ قُدُمًا، فى تحفيز كافّة مؤسّسات الدولة؛ سواء الدينية أو التعليمية أو الإعلامية وغيرها، على الانطلاق بقوّة، نحو منظومة القيم الأخلاقية الرفيعة، التى تبنِى الإنسان على الفكر والعلم والإبداع من ناحية، مع الارتباط الصادق بالله ﴿جلَّ جلاله﴾ من ناحية أخرى.
رسالةُ طمْأنة
وبعثَ فخامةُ الرئيس السيسي برسالة طَمْأَنة تؤكِّد قوّة وصلابة الجبهة الداخلية والخارجية أيضًا بقوله: أُطَمْئِنُ الشعبَ المصرىَ العظيم، على يقظتِنا وإدراكنا، لما يدور حولنا ويُحاك ضدّنا، ووقوفنا فى مواجهة التحدّيات بإجراءات مدروسة. واثقين فى عون الله تعالى، ومُرتكزين على صلابة شَعبنا، ومُعتمدين على قُدراتنا، لتوفير حياة آمنة ومستقرّة لمواطنينا، فى كلّ ربوع الوطن. ومهما تعدَّدت وجوه الشرِّ، وتنوَّعت أساليبه، فستبقى مصر- بإذن ربِّها- أرض الأمان والسلام والعزّة.
وجدَّد فخامته، التهانى لشعب مصر العظيم، والأُمَّتين العربية والإسلامية، والإنسانية كلّها، بهذه الذكرى العطِرة. داعيًا الله ﴿جلَّ جلاله﴾، أن يعيدها على أرض الكِنانة "مصر"، وعلى دولنا وبلادنا كلّها، بالخير واليُمن والبركات.
و"تحيا مصر" دائمًا وأبدًا "أُمُّ الدُّنيا".

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة