رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب



أصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى إعادة النظر في مفاهيم الهوية والانتماء، ولا سيما في المجال التربوي الذي يُعَدّ المنبع الأول لتشكيل الوعي الإنساني وصياغة الشخصية الفردية والجماعية، فالتربية هي الحاضنة التي تصاغ فيها معاني الانتماء، وتتجذر من خلالها قيم الهوية، وتتبلور عبرها صورة الإنسان عن ذاته ومجتمعه والعالم، ومن ثم يبرز مفهوم الذاتية الثقافية بوصفه أحد المفاهيم المحورية التي تستحق التأمل والتوقف عندها بعمق.
وتعد الذاتية الثقافية هي البنية الداخلية التي تحدد رؤية الإنسان لذاته ولمحيطه، وتوجه سلوكه، وتحدد نوعية تفاعله مع الآخرين ومع مجريات الحياة، فهي وعي متجدد بالانتماء الحضاري، وقدرة على تمثيل الثقافة باعتبارها مجالًا رحبًا للفهم والنقد والإبداع، ومن ثم تمثل الإطار الذي يمنح الفرد معنى لوجوده، وأداة لتفسير تجاربه، وبوصلة تحدد موقعه في التاريخ والمجتمع.
وتقوم الذاتية الثقافية على أن يرى الإنسان ذاته من خلال مرآته الثقافية الخاصة، فيستمد منها الثقة والاعتزاز بالانتماء، من غير أن يتحول هذا الاعتزاز إلى انغلاق أو عزلة عن العالم، فهي تدفعه إلى التمسك بجذوره من جهة، وإلى الانفتاح على الآخر من جهة أخرى، فالأصالة هنا شرطًا للانفتاح، إذ لا معنى للتفاعل مع الآخر إذا لم يكن للإنسان جذور يستند إليها، ولا قيمة للأصالة إذا تحولت إلى جمود يحجب فرص التطور والتجديد.
وتمثل الذاتية الثقافية الواعية قدرة متوازنة على الجمع بين الثبات على القيم الأساسية التي تشكل ضمير الأمة وذاكرتها والتجدد في الوسائل والأساليب التي تتيح مواكبة العصر والانخراط في تحولات الواقع، وهذا التوازن هو ما يمكن الفرد من مواجهة تحديات الحاضر برؤية راسخة، واغتنام الفرص المتاحة دون أن يفقد ملامح هويته أو يذوب في ثقافة الآخر.
وتكتسب الذاتية الثقافية على المستوى التربوي أهمية مضاعفة، لأنها الإطار الذي ينشئ الفرد على وعي حضاري متماسك، ويزوده بالأدوات الفكرية والقيمية التي تجعله قادرًا على المشاركة الفعالة في مجتمعه، وعلى التواصل البنّاء مع الثقافات الأخرى من موقع الندية، وتعد التربية التي تغرس هذا المفهوم في أعماق الناشئة، أنما تنشئ إنسانًا قادرًا على الإبداع، متمكنًا من أدواته، ثابتًا في انتمائه، ومنفتحًا على العالم.
ويمثل بناء الذاتية الثقافية الواعية ركيزة أساسية لأي مشروع تربوي أو مجتمعي متكامل، يمنح الإنسان وعيًا بخصوصيته، ويعينه على مواجهة الضغوط الثقافية، ويفتح أمامه آفاق الإبداع المتجدد، مع الحفاظ على معاني الأصالة والهوية، فالوعي الإنساني لا يكتمل إلا حين يتفاعل الفرد تفاعلًا خلاقًا مع ثقافته، ويستوعب قيمها الكبرى، ويتخذ منها منطلقًا للتفكير والإبداع، ومن هنا فالذاتية الثقافية باعتبارها حجر الزاوية في بناء الشخصية القادرة على التفكير المستقل والممارسة الواعية، حيث تزود الفرد بأدوات التأمل، وآليات النقد، وحرية الاختيار، فيغدو قادرًا على صوغ مساره الخاص بوعي ورصانة.
وعندما تدمج الذاتية الثقافية في المنظومة التربوية بشكل منهجي، فإنها تتحول إلى مشروع نهضوي متكامل، وتهيئ إنسانًا متصالحًا مع ذاته، قادرًا على التواصل مع الآخر بروح منفتحة، من دون ذوبان في ثقافته أو فقدان لخصوصيته، فالوعي الثقافي الراسخ يفضي إلى حوار متكافئ يقوم على احترام الذات والآخر وهذا الوعي هو الذي يجعل الانفتاح عامل إثراء لا تفكك، ويمنح الفرد القدرة على الجمع بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على رحابة الإنسانية.
وتقتضي هذه الرؤية أن تعيد المناهج التربوية النظر في طرائقها ومضامينها، بحيث تقوم على ترسيخ الوعي بالتراث باعتباره مصدرًا للفهم والإلهام والنقد معًا، فالمطلوب قراءة التراث بعين ناقدة منفتحة، تستخلص من قيمه ما يعين على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل، وتعيد إحياء ما فيه من معانٍ إنسانية أصيلة تصلح لبناء الوعي الحديث، وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري تنمية التفكير النقدي في ضوء القيم الثقافية الراسخة، وتربية المتعلم على التساؤل والتحليل والمناقشة، لأن الثقافة لا تزدهر إلا في بيئة تحفّز العقل على الإبداع، وتشجع على الفحص المستمر للمفاهيم والمعارف.
كما يتعين تعزيز اللغة الأم بوصفها الأداة الجوهرية للفهم والتعبير عن الذات، فهي الوعاء الذي تتشكل فيه الهوية، والجسر الذي يربط الإنسان بتراثه، ومعرفته، ومجتمعه، وهي في الوقت نفسه أداة انفتاح وتواصل مع العالم، ويضاف إلى ذلك ضرورة مواجهة الاستلاب الثقافي بأسلوب تربوي ومعرفي راقٍ، يقوم على بناء حصانة فكرية وقيمية، تجعل الفرد قادرًا على الاختيار الواعي والانتقاء الخلاق من الثقافات الأخرى، دون أن يفقد جوهر هويته أو يتنكر لأصالته، وبذلك تتحقق معادلة الانفتاح مع الحفاظ على الأصالة، ويتشكل وعي ثقافي متجدد يوازن بين الجذور والآفاق.
ونخلص إلى أن الاستثمار في الذاتية الثقافية داخل التربية هو استثمار في نهضة الإنسان ذاته؛ إذ يمنحه القدرة على امتلاك صوته الخاص وسط تحولات العصر، ويهيئه للمشاركة الفاعلة في بناء مجتمعه، كما يمده بالأدوات اللازمة للتفاعل مع الإنسانية، ومن ثم فإن الذاتية الثقافية الواعية تغدو مشروعًا حضاريًا متكاملًا يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية ليشمل المجتمع بأسره، بما يتضمنه من وعي جمعي، وخطاب إعلامي، وسياسات ثقافية، تؤسس جميعها لفضاء إنساني أكثر اتزانًا وفاعلية.
وتتشكل بذلك دعامة أساسية لبناء إنسان متوازن الجذور والآفاق، يجمع بين أصالة الانتماء وثراء الإبداع، فالإنسان حين يمتلك صوتًا ثقافيًا أصيلًا، يصبح أكثر قدرة على المساهمة في بناء مجتمعه، باعتباره فاعلًا واعيًا يمتلك أدوات التفكير النقدي والإبداعي، فيشارك بوعي مسؤول، ويترك بصمته الخاصة في مسار الحضارة الإنسانية، جامعًا بين قوة الهوية وانفتاح العقل، وبين رسوخ القيم وحيوية التجديد.

بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة