رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب



تقوم هندسة الإدراك الإيجابي بإعادة صياغة الإنجازات التنموية، لتحولها إلى قصص نجاح حية وملهمة، تعكس أثر هذه المنجزات في حياة المواطنين اليومية، وتدفعهم إلى المشاركة الفاعلة في مسيرة البناء، كما تعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة التي قد تتشكل بفعل التضليل أو سوء الفهم، عبر تقديم رواية وطنية راسخة تستند إلى الحقائق وتحتفي بالمكتسبات وتربطها برؤية الدولة المستقبلية، لتكون مصدر إلهام وثقة، تعزز الانتماء الوطني، وتغرس في الأذهان أن ما يتحقق على أرض الواقع هو ثمرة جهد جماعي وإرادة سياسية واعية، ودافع مستمر لمزيد من العمل والإنجاز، ومحفزًا قويًا على المشاركة الفاعلة في مسيرة البناء، وشريكًا في صناعة التغيير الإيجابي.
ولا يمكن لـهندسة الإدراك الإيجابي أن تحقق أهدافها دون وجود منظومة إعلامية واعية وفعالة، تمتلك رؤية واضحة ورسالة مهنية راسخة، فالإعلام في الجمهورية الجديدة مطالب بتقديم خطاب معرفي راق، ويرتكز على الحقائق الموثوقة والتحليل العميق للأحداث، وينبغي أن يوظف أدوات الاتصال الحديثة للوصول إلى الشباب بلغتهم الخاصة، عبر المنصات التي يتفاعلون معها يوميًا، مع استثمار التكنولوجيا الرقمية في إيصال الرسائل الإيجابية المؤثرة التي تعزز الانتماء وتدعم الثقة، كما يتعين عليه أن يرسخ ثقافة الحوار البنّاء، وأن يتيح مساحات حقيقية للتعبير عن الرأي والمشاركة في النقاشات العامة، بما يسهم في توسيع قاعدة الوعي ويمنع احتكار المعلومة من قِبَل مصادر غير موثوقة أو ذات أجندات مغرضة، فالإعلام الواعي يصبح شريكًا استراتيجيًا في عملية بناء الإدراك الإيجابي، وحارسًا لبوابة الوعي الجمعي، وداعمًا لجهود الدولة في ترسيخ الاستقرار والوحدة الوطنية، وتحفيز المواطنين على المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية.
وتعد هندسة الإدراك الإيجابي في جوهرها مشروعًا أخلاقيًا قبل أن تكون إطارًا فكريًا فهي تقوم على ترسيخ قيم الحق والعدالة بوصفهما الأساس المتين للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة بما يوطد ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويضمن الاحترام المتبادل بين جميع فئات المجتمع على اختلاف انتماءاتهم وخلفياتهم الثقافية، ويجب أن تتحول هذه القيم إلى ممارسات عملية تترجم في السياسات العامة، وتتجلى في الخطاب الرسمي، وتنعكس في الأداء اليومي للمؤسسات، وتعاش في تفاصيل الحياة المجتمعية، وبهذا تصبح هندسة الإدراك الإيجابي أداة لتجسيد الأخلاق في الواقع، بحيث يشعر المواطن أن مبادئ العدالة والحق واقع ملموس يعيشه ويحميه.
ورغم الأهمية البالغة لهندسة الإدراك الإيجابي في بناء الوعي الجمعي، فإن هذه العملية تواجه جملة من التحديات المعقدة، التي لا يمكن إغفالها في مقدمة هذه التحديات يأتي التدفق الهائل للمعلومات المضللة عبر الفضاء الرقمي، وما يسببه من تشويش للحقائق وتشويه للواقع، وما تتركه من أثر مباشر على وعي الجمهور وتوجهاته، ويضاف إلى ذلك فجوة الثقة التي قد تنشأ نتيجة تجارب تاريخية سابقة أو موروثات ثقافية سلبية، فضلًا عن التأثير العولمة الثقافية على الهوية الوطنية، بما تحمله من قيم وأنماط سلوك قد تتعارض أحيانًا مع خصوصية المجتمع، كما يمثل ضعف الثقافة الإعلامية لدى بعض الفئات تحديًا خطيرًا، إذ يجعلها أكثر عرضة للتأثيرات السلبية والأخبار الزائفة.
ويتطلب مواجهة هذه التحديات عقلانية رصينة وإبداعًا متجددًا، بحيث تتحول هذه التحديات نفسها إلى فرص واعدة للنهوض بالوعي الوطني، وعندما يتم ذلك بوعي مؤسسي ورؤية استراتيجية، فإن هندسة الإدراك الإيجابي ستصبح منظومة متكاملة تعمل على ترسيخ قيم الانتماء، وتعزيز تماسك المجتمع، وبناء حصانة فكرية تحميه من التضليل والتشويش المعلوماتي، بهذه الرؤية تتحول هندسة الإدراك الإيجابي إلى ركيزة أساسية في مشروع بناء مجتمع قوي، متماسك، وواعٍ بذاته وبقضاياه، قادر على مواجهة الحملات المضللة بثقة ووعي، ومؤهل لصياغة مستقبله بإرادته الحرة وإيمانه العميق بقيمه الوطنية.
ولتحقيق فاعلية مستدامة في مواجهة هذه التحديات، يصبح من الضروري اعتماد آليات عمل واضحة ومتكاملة، في مقدمتها إدماج التربية الإعلامية ضمن المناهج الدراسية، لتأهيل الأجيال على التعامل النقدي الواعي مع المعلومة وتحليلها قبل تبنيها أو نشرها، وإطلاق حملات توعية شاملة تستهدف مختلف فئات المجتمع، مع تنويع الأساليب والرسائل بما يتناسب مع كل شريحة عمرية وثقافية، ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز التكامل بين مؤسسات الدولة المعنية، وفي مقدمتها الإعلام، والتعليم، والثقافة، والمؤسسات الدينية، بما يضمن انسجام الرسائل وقوة تأثيرها، ولا غنى عن تعزيز البحث العلمي في مجالات علم النفس الإعلامي والاتصال الاستراتيجي، لما له من دور محوري في ابتكار أدوات أكثر فاعلية ودقة في صياغة الرسائل الإعلامية وتوجيه الرأي العام نحو مواقف إيجابية وبنّاءة. فالعلم، بما يوفره من تحليل موضوعي واستراتيجيات مدروسة، يمثل البوصلة التي تضمن وضوح الرسائل وملاءمتها لاحتياجات الجمهور وتطلعاته.
وتقابل هذه التحديات فرص استراتيجية للمواجهة، كامتلاك الدولة لإرادة سياسية واضحة وحاسمة لدعم التنمية البشرية، ووجود بنية تحتية تكنولوجية متنامية تتيح الوصول إلى المواطنين بطرق مبتكرة وفعّالة، فضلًا عن تزايد وعي شرائح واسعة من الشباب بأهمية المشاركة الإيجابية في الشأن العام، ورغبتهم في المساهمة في صياغة مستقبل وطنهم، كما أن القدرة على تحويل هذه الفرص إلى أدوات عمل عملية، مع إدارة التحديات بذكاء وحكمة، مما سيجعل من هندسة الإدراك الإيجابي ركيزة راسخة في مسيرة الجمهورية الجديدة نحو التنمية المستدامة وبناء وعي جمعي متبصر وفاعل.
ونؤكد أن هندسة الإدراك الإيجابي باتت ضرورة أمنية وتنموية بالجمهورية الجديدة، وتكتسب بعدًا استراتيجيًا، إذ تتحول إلى أداة لبناء إنسان يمتلك القدرة على حماية وعيه من التشويه، والمشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل وطنه، وتحويل التحديات التي يفرضها الواقع المحلي والعالمي إلى فرص للنهوض والابتكار، فالدولة القوية تقوم ركائزها على البنية التحتية المتطورة أو الاقتصاد المزدهر فحسب، وتبنى كذلك على وعي جمعي صحيح مسؤول، يمثل المناعة والدرع الحصين في مواجهة حملات التضليل وتزيف الحقائق، والأساس الصلب لضمان أمن وازدهار مستدام، إن الاستثمار في الوعي الإيجابي، وترسيخ قيم الانتماء، وتطوير قدرات التفكير النقدي لدى المواطن، هو ما يمنح الدولة قوة معنوية ويجعلها أكثر قدرة على مواجهة المستقبل بقوة وثقة وثبات.

بقلم
أ.د/ مها عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة