نظرة
خلال زيارة ميدانية إلى مدينة الأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية ببرج العرب – إحدى القلاع العلمية التابعة للدولة – شعرت بأنني أمام نموذج حيّ لما يمكن أن تصنعه إرادة التقدم والعلم إلا إذا ما اقترنت برؤية وطنية وإدارة مخلصة.
كان لقائي مع الدكتورة منى عبد اللطيف، مدير المدينة، والدكتور محمد رشاد، نائب المدير، فرصة للغوص في أعماق الدور الحيوي الذي تلعبه هذه المؤسسة العلمية في دعم مسيرة التنمية والنهضة الشاملة.
دار الحديث حول أهمية البحث العلمي كقاطرة للتقدم، ليس فقط في مجال الصحة والصناعة، بل في مختلف نواحي الحياة. وفي خضم النقاش، استشهد الحضور بما قاله الدكتور محمود السعدني، المدير الأسبق للمدينة رحمه الله "متر من الرمال يباع ببضعة جنيهات، وإذا تحول ويصنع منه زجاج ارتفعت قيمته لعشرات الجنيهات، وإن دخل في صناعة شاشات التلفاز بلغ مئات الدولارات، وإذا دخل في صناعة الهواتف تضاعف سعره، أما إذا صُنع منه رقائق إلكترونية، فقيمته قد تصل إلى الالاف من الدولارات!"
هكذا ببساطة، و بأمثلة ملموسة، تتضح لنا قيمة العلم والبحث والتطوير، وكيف يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في الاقتصاد، وهو ما نجحت فيه دول كثيرة
لا يمكن الحديث عن تقدم اقتصادي حقيقي دون الحديث عن البحث العلمي والتطوير التكنولوجي. فالدول التي استثمرت في عقول علمائها ومراكز أبحاثها، استطاعت أن تحقق معدلات نمو مرتفعة، وتوفر فرص عمل، وتنتقل من اقتصاد ريعي أو تقليدي إلى اقتصاد معرفي يقوم على الابتكار والإبداع.
البحث العلمي هو الطريق لتطوير صناعات محلية قادرة على المنافسة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعات حيوية مثل الدواء، والزراعة، والطاقة، والاتصالات.
كما أن الاستثمار في البحوث يؤدي إلى خلق بيئة جاذبة للمستثمرين، إذ يبحث المستثمر دائمًا عن بيئة تملك المعرفة والتقنية الحديثة، وتقدم حلولاً فعالة وقابلة للتطبيق.
ان العائد الاقتصادي من البحث العلمي لا يُقاس فقط بالأرباح المباشرة، بل بتأثيره الممتد على رفع كفاءة المؤسسات، وتحسين جودة المنتجات والخدمات، وتقليل الفاقد والهادر، وزيادة القدرة التنافسية في السوق العالمية.
مدينة الأبحاث العلمية فى برج العرب كما قالت لى الدكتورة منى و الدكتور محمد ليست في عزلة عن واقعها أو عن محيطها الاجتماعي والاقتصادي، بل تتفاعل مع المجتمع الصناعي والزراعي في المنطقة المحيطة، وتخدمه بمشروعاتها التطبيقية.
ومن أبرز المشروعات الجارية حاليًا، مشروع بحثي ضخم لتطوير أدوات وتقنيات زراعية تناسب طبيعة مناخ البحر المتوسط، ومشروع آخر لتطوير علاج مناعي مبتكر قد يحدث نقلة كبيرة في صناعة الدواء محليًا وعالميًا، إضافة إلى العمل على شبكة وطنية للحواسب فائقة الأداء تدعم البنية التحتية الرقمية في مصر.
ما شاهدته وسمعته جعلني أدرك عن يقين أن البحث العلمي ليس رفاهية، بل هو ضرورة وجودية لأي دولة تطمح لأن تكون في مصاف الدول المتقدمة. فلا نهضة بلا علم، ولا اقتصاد قوي بلا تطوير مستمر ومعرفة متجددة.