لحظات مثيرة تعيشها المنطقة في ظل احتمالات دخول أمريكا على خط الصراع الايراني- الاسرائيلي لوضع كلمة النهاية للحرب الدائرة بينهما.
وبدت الصورة جلية بعد اجتماع مجلس الأمن القومي الأمريكي، وأصبح من المؤكد ان الحسم العسكرى الامريكي قادم لا محالة، خاصة ان تجنبه باهظ الثمن اخلاقيا ومعنويا بالنسبة لملالي طهران الذين سيكون عليهم تجرع كأس السم للمرة الثانية واعلان الاستسلام بدون قيد او شرط، وهذا هو مطلب الرئيس الامريكي دونالد ترامب، بعد ان أهدروا فرصة ال ٦٠ يوما للتفاوض على برنامجهم النووي. قبل شهر أسس ترامب المحور السني في منطقة شمال سوريا ولبنان، ودول الخليج، وبالطبع إسرائيل. لكنه فشل في "إبرام اتفاق" مع إيران بتحريض من صديقه بنيامين نتنياهو.
الازمة حاليا تتلخص في موقع منشأة "فوردو" النووية الإيرانية، وهي أكثر المنشآت النووية الإيرانية تحصينا بشكل كبير، حيث تم بنائه في اعماق جبل لحمايته من اي هجوم محتمل، حتى لا يلقي مصير مفاعل "تموز" النووي الذي بناه العراق، ودمرته إسرائيل بسهولة في عام 1981 لأنه تم بنائه فوق الأرض.
وتدمير هذا الموقع أصبح الان اولوية مطلقة، لان الهجوم المباغت الذي بدأته اسرائيل قبل ايام كانت تعتقد انه كفيل بإسقاط النظام في إيران، الا ان طهران نجحت ليس في استيعاب الضربة، لكن ايضا في توجيه ضربات صاروخية مؤلمة للمدن الاسرائيلية. لذا فمحو موقع "فوردو" ضروري للغاية لتدمير قدرة إيران على انتاج الأسلحة النووية. وفي مارس 2023، ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها اكتشفت اليورانيوم المخصب إلى نقاء 83.7 في المائة في فوردو، بالقرب من مستوى التخصيب البالغ 90 في المائة المطلوب للأسلحة النووية.
يقال ان الجيش الأمريكي فقط لديه قنبلة خارقة التحصينات الضخمة" (Massive Ordnance Penetrator - MOP) هي ذخيرة تزن 15 طنا، صممتها الولايات المتحدة لتدمير الأهداف المحصنة المدفونة في أعماق الأرض، مثل منشأة فوردو. وتتميز القنبلة بجسم فولاذي قوي يُمكنها من تحمل الصدمات عند اختراق طبقات الخرسانة أو الأرض أو الصخور. وتخترق هذه القنبلة حوالي 60 مترا من الصخور والخرسانة قبل أن تنفجر داخل الهدف. وبسبب حجمها الكبير، لا يمكن إطلاق قنبلة MOP إلا عبر القاذفة الشبح الأمريكية B-2 Spirit، وهي طائرة متطورة لا يملكها سوى سلاح الجو الأمريكي.
ومن الشائع أن إسرائيل لا تستطيع تدمير تلك المنشأة النووية وحدها. ورفضت الولايات المتحدة تزويدها بالقنبلة الخاصة لتدمير مثل تلك المنشآت المحصنة تحت الارض، كما ان تل ابيب تفتقر إيضا إلى قاذفات ثقيلة قادرة على إيصال القنبلة الي الموقع المستهدف. ومع ذلك، يمكن لإسرائيل مهاجمة محطات توليد ونقل الطاقة اللازمة لتشغيل المنشأة، التي تضم أجهزة الطرد المركزي الإيرانية الأكثر تقدما، وفقا لمصادر عسكرية. ويمكن أن يؤدي الضرر بالمنشآت التابعة ل"فوردو" إلى إبطاء قدرته بشكل كبير على مواصلة تخصيب اليورانيوم.
وفي الحقيقة، اسرائيل يمكنها ضرب "فوردو" الا انها لا يمكنها تحمل تداعيات تلك الضربة لمنشأة نووية، وما ينتج عنها من اثار سلبية أو تلوث نووي، كما أنها يمكن ان تصبح هدفا سهلا للانتقام من دولة مثل كوريا الشمالية او حتى باكستان التي اعلنت دعمها لإيران، بالتالي فان الأمر يحتاج الي دولة عظمي يمكن ان تتحمل كل تلك التداعيات دون ان يقع عليها اي لوم باستثناء الشجب والادانة. ويبدو أن واشنطن رسمت السيناريو المعتاد لمثل تلك المواجهات، وانضم اليها فورا شريكها الرئيسي بريطانيا، حيث أرسلت طائراتها الي المنطقة قبل ساعات، وأيضا فرنسا والمانيا اللتان أعلنتا دعمهما في الهجوم الوشيك، علي غرار "وتفرق دمه بين القبائل".
بينما تواصل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا تعزيز قدراتهم العسكرية في الشرق الأوسط، بما في ذلك تزويد الطائرات بالوقود والطائرات المقاتلة تمهيدا للضربة الحاسمة، فان إسرائيل كانت قد وضعت عدة خطط في السابق لمهاجمة فوردو. منها خطة قدمت إلى مسؤولين كبار في إدارة أوباما، تقوم من خلالها فرق الكوماندوس الاسرائيلية المحمولة جوا باقتحام الموقع وتدميره، على غرار العملية التي قامت بها في سوريا قبل عام، حيث دمرت منشأة لتصنيع الصواريخ التابعة ل «حزب الله» في متصيف في شمال سوريا.
لم يكن ترامب ليأتي إلى المنطقة بأسطول بحري وجوي عظيم، لمجرد التقاط صورة النصر. وفي وجهة نظره، كرجل اعمال يجيد انتهاز الفرص ان انضمامه إلى الحملة ضد إيران يساهم في لعبة النظام العالمي الجديد الذي بدأه. وهو يحتاج الي نموذج قليل التكلفة مثل النظام الايراني لاستعادة "امريكا العظيمة" من جديد، فهو نظام غير مقبول اقليميا، ومشكوك فيه غربيا، ووضعه الداخلي مهلهل، وهو قريب الشبه بالنموذج العراقي قبل الاطاحة بنظام صدام حسين، غيابه من المشهد لن يثير الشفقة، بل سيكون مصحوبا باللعنات من الداخل والخارج كما يري هو. ورأى ترامب فرصة لإبرام صفقة بالطريقة التي يحبها – الشراء بثمن بخس، هذه المرة، إيران بنفطها، وتحويلها إلى دولة موالية للغرب وعزلها عن المحور الصيني الروسي. حيث تمتلك إيران حوالي 10٪ من احتياطيات النفط العالمية وهي المورد الرئيسي للنفط للصين، ومصدر رئيسي للأسلحة والذخيرة إلى روسيا في حربها ضد اوكرانيا، بالإضافة الي السيطرة على أسعار النفط للصين، وتحرير دول الخليج من التهديدات التي تتعرض لها من جانب نظام الملالي، وفتح مضيق هرمز وطريق البحر الاحمر الذي يغلقه الحوثيون منذ عامين، وأكثر من ذلك. وفي المقابل فان إسرائيل ايضا ستكافأ على قيامها ب "العمل القذر" من أجل ما يسمي "العالم الديمقراطي"، لمنح ترامب الفرصة لهزيمة الصين وروسيا، وتحصل على لقب شرطي المنطقة بلا منازع والحارس غير الامين علي نفط الخليج... ويضع الرجل لافته "النهاية" بطريقة هوليودية مؤقتا!