لا تفهمونا غلط
انبهرتُ وأنا أتابع عبر الفيس بوك عدد من رحلات قامت بها مجموعات من المصريين، معظمهم أسر وسيدات مصريات ظهرن في مقاطع فيديو، إلى دول شرق آسيا، نظمتها شركات سياحية مصرية. لا يمكنني إنكار إعجابي بالمعالم التي زاروها، واستعراضهم للمناظر الطبيعية الساحرة، ووسائل النقل التي استخدموها، مثل أتوبيسات النوم التي كانت مذهلة حقًا، وقطارات النوم التي تتميز بنظافة فائقة ورقي يبهر الأنظار. هنا، لا بد أن أثني على ذكاء فكرة الترويج لهذه الرحلات، والإعلان عنها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. لقد تبنت إحدى الشركات السياحية أسلوبًا جذابًا حقق نجاحًا كبيرًا، حيث سجلت الإعلانات نسب مشاهدات مرتفعة، خاصة على فيسبوك، مع استفسارات عديدة حول أسعار الرحلات وتفاصيلها. لقد أصابت هذه الفكرة هدفها بجدارة. لكنني تساءلت: أين نحن من هذا الإبداع في الترويج؟ تمتلك مصر مقومات سياحية لا تُعد ولا تُحصى، ونحن على مشارف افتتاح المتحف المصري الكبير، أحد أعظم واكبرالمتاحف العالمية. بالاضافة الي ذلك تتميز مصر بموقعها الجغرافي الاستثنائي عند ملتقى ثلاث قارات: آسيا، إفريقيا، وأوروبا، مما يجعلها دولة عابرة للقارات، تمتد من شمال شرق إفريقيا إلى شبه جزيرة سيناء في آسيا. تطل على البحر الأبيض المتوسط وخليج العقبة، والبحر الأحمر وخليج السويس، ويخترقها نهر النيل، مما يعزز التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب. يُعد مناخها، الحار والجاف صيفًا والدافئ والماطر شتاءً، جاذبًا للسياح من كل أنحاء العالم. يمثل نهر النيل شريان الحياة للاقتصاد المصري، وأساس السياحة النهرية، خاصة في الشتاء الملائم لزيارة المعالم الأثرية والمناظر الطبيعية عبر البواخر السياحية. تمتد سواحل مصر على البحر الأبيض المتوسط بطول يزيد عن 1000 كيلومتر، وعلى البحر الأحمر في منطقة ريفييرا البحر الأحمر، إلى جانب الشريط الساحلي لنهر النيل. تختلف هذه السواحل في المناظر الطبيعية والنباتات والحيوانات، لكنها تتفق في تقديم أنشطة سياحية متنوعة، من الغوص والرياضات المغامرة إلى الاسترخاء والمطاعم الفاخرة. تمتلك مصر ايضا مقومات طبيعية وبشرية تجذب السياح وتطيل إقامتهم، مما يعزز مكانتها كوجهة سياحية عالمية.
تمتاز مصر بتراثها الأثري العريق، فهي إحدى أقدم الحضارات العالمية، يمتد تاريخها لأكثر من سبعة آلاف عام، مما يجعلها غنية بالآثار التاريخية المنتشرة عبر مدنها. تضم مصر نحو ثلث آثار العالم، مما يجعلها وجهة مبهرة للزوار. تبرز أهرامات الجيزة، التي تشمل أهرام خوفو وخفرع ومنقرع، كرمز للحضارة المصرية، إلى جانب أهرامات أخرى شهيرة مثل هرم سقارة المدرج في منطقة سقارة، وأهرام دهشور بمحافظة الجيزة. لا تزال هذه الأهرامات، والتماثيل، ومقابر القدماء تجذب علماء الآثار من مصر ومختلف أنحاء العالم لاستكشافها. تنتشر الآثار والمعابد في مدينتي الإسكندرية والأقصر، حيث تضم الإسكندرية معالم مثل معبد الرأس السوداء، ومعبد السرابيوم، ومعبد القيصرون، وعمود السواري، ومقبرة كوم الشقافة. أما الأقصر فتحتضن معبد الأقصر، ومعبد هابو، ومعبد الكرنك، ووادي الملكات، ووادي الملوك، ودير المدينة، ومتحف التحنيط وغيرها من المدن المصرية الذاخرة بالاثار المصرية . كما تتفرد مصر بمقوماتها الاجتماعية التي تعكس كرم الشعب المصري وحسن ضيافته وترحيبه بالسياح، مما يمنحهم شعورًا بالراحة والأمان، مما يجعل من مصر وجهة سياحية مفضلة للجميع. كما تتميز بمقومات حضارية تبرز تقدمها، من خلال معالم حديثة مثل مكتبة الإسكندرية، وخزان أسوان، والسد العالي. وتحتضن القاهرة معالم بارزة كدار الأوبرا المصرية، وبرج القاهرة، ومركز القاهرة الدولي للمؤتمرات، والمتاحف المتنوعة، وأرض المعارض، إلى جانب الحدائق الدولية، وحدائق الحيوان، ومراكز الترفيه، والمسارح، والمهرجانات مثل مهرجاني القاهرة والإسكندرية السينمائيين الدوليين وهناك سياحة المؤتمرات .. وتشمل مقومات السياحة في مصر التكاليف المناسبة التي تناسب جميع الميزانيات، سواء المحدودة أو الكبيرة، مما يجعلها في متناول الجميع. تكتسب مصر أهمية دينية كبيرة لاحتضانها الديانات السماوية الثلاث: الإسلام، والمسيحية، واليهودية، مع وجود مساجد وكنائس ومعابد يهودية منتشرة في ربوعها ورحلة العائلة المقدسة مقوم مهم للجذب السياحي.
وفي مصر توجد رحلات السفاري الصحراوية تجربة فريدة، حيث تغطي الصحراء 90% من أراضي مصر، مما يتيح استكشاف الواحات والمعالم الصحراوية والتخييم. ويتميز المطبخ المصري بتنوع أطباقه اللذيذة المتأثرة بالشرق الأوسط، مع أطعمة خاصة لكل مناسبة. وتوفر مصر أنشطة متنوعة للإجازات، من الاسترخاء على الشواطئ إلى زيارة المواقع الأثرية والطبيعية أو ممارسة الغوص. كل هذا وأكثر.
هل فكرنا في دراسة أسباب النمو السياحي في اسبانيا وفرنسا والدول السياحية حول العالم ؟ فأنا من عشاق فرنسا ورصدت عن قرب النمو السياحي الفرنسي وكيفية التسويق للمزارات الفرنسية ، ففي كل زيارة لي لباريس ابدأ برحلة نهر السين ، حيث النظافة والجمال المذهل لمجرى النهر، رحلة نهرية في قلب باريس عبر ممرها المائي تتيح لي الاستمتاع بمناظر خلابة متجددة، ومعالم أثرية مميزة، وهندسة معمارية تعكس تاريخ المدينة العريق. تنطلق هذه الرحلات الساحرة من سفح برج إيفل ومواقع أخرى على امتداد النهر، حيث تستوعب كل باخرة سياحية أعدادًا كبيرة تصل أحيانًا إلى 1500 زائر، وهناك مصدر دخل اخر يحققه متحف اللوفر فسنويًا يتجاوز 22 مليار يورو، ويسهم قصر الشانزليزيه ايضا في تعزيز الدخل القومي الفرنسي من السياحة، ومن هنا لا بد أن نؤكد علي ضرورة التفكير في استراتيجيات لجذب سياحي يتناسب مع ثروة مصر الأثرية ومقوماتها السياحية الفريدة..
يجب أن تتضافر جهود الوزارات والهيئات لتعزيز السياحة المصرية بما يليق بتاريخها وحضارتها وإرثها الأثري الذي منحنا الله إياه.
تناسينا دور الدراما والسينما فهي قوة ناعمة عظيمة، كما أكدت مرارًا. فمثلا مسلسل "نور" التركي كان سببا في زيادة التدفق السياحي إلى تركيا ثلاثة أضعاف، محققًا ما عجزت عنه شركات السياحة التركية وممثلي سفاراتها لترويج لها، عكست الدراما التركية حياة جذابة، فجذبت سياحًا من السعودية والكويت والإمارات لقضاء إجازاتهم بين الطبيعة والمطاعم التي ظهرت في المسلسل لم يكن نجاح الدراما التركية ممكنًا لولا التسهيلات التي قدمتها الحكومة التركية لصناعها، وهو أمر مشابه لما كانت تقدمه سوريا والمغرب لفنانيها.
يجب أن نستثمر الدراما المصرية لتعزيز السياحة، فاستغلال الدراما للترويج السياحي يتطلب مقومات، وفكرًا، وثقافة، وكتاب سيناريو يمتلكون رؤية متميزة، إلى جانب إرادة قوية وإدارة فعّالة. هناك مبادرات فردية سعت لجذب السياحة العالمية إلى مصر، منها مشروع شاركت في دعمه والعمل عليه للمنتج السينمائي هشام سليمان، الذي هدف إلى الترويج لمصر كوجهة لتصوير الأفلام العالمية، كما يحدث في دبي والمغرب والأردن. كان هذا المشروع رائدًا، وأعتقد أنه تزامن مع فترة عملي مسؤولًا عن المركز الإعلامي بمدينة الإنتاج الإعلامي. حينها، زرت مشاريع سينمائية عالمية المدينة للاستفادة من إمكانياتها، كونها منطقة استثمارية حرة يُفترض أنها خالية من الجمارك والعقبات، وهناك مبادرة أخرى يقودها صديقي الفنان التشكيلي العالمي المصري الفرنسي، الذي اختار أرضًا على جزيرة تطل على النيل، مقابل نادي الصحفيين النهري، ليؤسس متحف دارنا بتمويل ذاتي وفكر مصري. يسعى بجد لاستقطاب فنانين عالميين لزيارة المتحف وتنظيم معارض عالمية على ضفاف النيل، بل فتح أبوابه لطلبة كليات الفنون الجميلة والتطبيقية وغيرها من معاهد وكليات فنية لزيارته وإقامة ورش عملبه ، هذا مشروع وطني بجهود ذاتية، كرّس له عكاشة كل إمكانياته، ويستحق دعمنا. مصر عظيمة بتاريخها وحضارتها، نتباهى بها في المناسبات، لكننا لم نعمل بجد لترويج مقوماتها الحضارية والتاريخية والطبيعية. هذا يتطلب ثقافة شعب، وفكر دولة، وتكاتفًا لأجل مصر.
وأكرر هل فكرنا في الترويج لكل ما تملكه مصر من مقومات سياحية بأساليب حديثة تتماشى مع التطور التكنولوجي، والإنترنت، والسوشيال ميديا، والذكاء الاصطناعي؟ فشركات سياحة روجت لرحلات لشرق اسيا وحققت تفاعل كبير وأكيد ستكون هناك رحلات جديدة .. من نتاج هذه الاعلانات عبر الفيس بوك.
أخيرا
مصر كبيرة وصاحبة تاريخ وحضارة نتغني بها في المناسبات، لكننا لم نعمل بجد لترويج مقوماتها الحضارية والتاريخية والطبيعية، وهذا يتطلب ثقافة شعب وفكر دولة وتكاتفًا من أجل مصر. تمتلك مصر كل الإمكانيات لتحقيق نجاح يفوق الإعلانات التي أثارت إعجابي، ولا أنكر أن هناك تحديات تتمثل في غياب التنسيق بين القطاعات الحكومية والخاصة لتقديم تجربة سياحية شاملة، وضعف الاستثمار في التسويق الرقمي عبر السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي، ومشكلات البنية التحتية كتحسين القطارات والمواقع السياحية، واستغلال الدراما والسينما كقوة ناعمة كل هذا واكثر يحتاج إلى دعم حكومي وإبداع فكري ورؤية وفهم لأهمية السياحة وكيفية تسويق مصر للعالم ، هناك الكثير من المقترحات التي تحتاج من يستمع لها ويسعي لتنفيذها فاعلان عبر الفيس بوك تفاعل معه المصريين ويسعون لحجز رحلة عبر هذه الشركة لشرق اسيا، ومن هذا المنطلق اقترح إطلاق حملة "مصر بعيون العالم"، تعتمد على فيديوهات مصورة بتقنيات متطورة (كالدرون) لعرضها على يوتيوب وتيك توك والفيس بوك وانستجرام وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي مترجمة لعدة لغات نستهدف بها اوروبا وامريكا واسيا ودول الخليج، نركزعلى رحلات نيلية وأماكن جاذبة وجولات افتراضية في المتحف المصري الكبير، والسياحة الشاطئية وكل أماكن والمزارات الاثرية والسياحية.
كما ادعو لمسابقة درامية برعاية حكومية لإنتاج أعمال تروج للسياحة، مع تسهيلات تصوير وجوائز مالية، وتحسين عاجل لخدمات القطارات والمواقع السياحية بميزانية طارئة، مع الإعلان عن هذه التحسينات، وقريبا سنحتفل بافتتاح المتحف الكبير ومنطقة الاهرامات بتاريخها العريق ومقوماتها الفريدة ونحتاج العمل عليها لتسويقها.
مصر تستطيع أن تتصدر الوجهات السياحية عالميًا، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية، وتكامل قطاعات، واستثمارًا ذكيًا في التكنولوجيا والقوة الناعمة. فيجب أن يكون لدينا مشروع وطني عظيم لتسويق مصر سياحيا، فإحياء السياحة المصرية يحتاج فكر دولة وقوة ناعمة.
مصطفي البلك
[email protected]