لا تفهمونا غلط
رقي الأمم يتجلى في تقديرها للمسرح، ذلك الفن العريق الذي يعكس هوية الشعوب ويحتفظ بإرثها الثقافي. المسرح ليس مجرد خشبة وأضواء، بل هو مرآة الحضارة، ينقل قيم المجتمع، يحافظ على تراثه، ويفتح آفاقًا للإبداع والتقدم. في دول ذات حضارات راسخة مثل الصين، التي زرتها وأعجبت بمسرحها، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح. الصين، بتاريخها الممتد لآلاف السنين، تستلهم ماضيها لتبني نهضة حديثة، حيث يحتل المسرح مكانة مركزية في تشكيل الإنسان ثقافيًا وعلميًا. في مدينة لانجو بمقاطعة قانسو، شهدت عرضًا مسرحيًا موسيقيًا غنائيًا على مسرح يتسع لـ1470 مقعدًا، وكان ممتلئًا بالكامل. استغرق تحضيره عامين، وشارك فيه 100 ممثل و70 آلة موسيقية، مع ترجمة فورية بالإنجليزية، ليروي قصة مبادرة الحزام والطريق، الرؤية الحضارية التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ عام 2013. هذا العرض، المزمع تقديمه عالميًا، يؤكد أن المسرح الصيني، بجذوره الضاربة في ثلاثة آلاف عام، هو رمز للرقي، يجسد مقولتي: "أرقى شعوب الأرض هي التي تمتلك مسرحًا."
على النقيض، يعاني المسرح المصري من أزمة وجودية، خاصة في القطاع الخاص، حيث اختفت معظم المسارح وتقلصت الحركة المسرحية بشكل مؤلم. في لقاء مع الصديق العزيز الفنان أشرف عبد الباقي على هامش مؤتمر ماسبيرو حول مستقبل الدراما المصرية، تبادلنا الحديث عن هذا الاختفاء المرير. تحدث عبد الباقي بحسرة عن تراجع مسرح القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن مصر، التي كانت تضم أكثر من 38 فرقة مسرحية في السبعينيات والثمانينيات، بأعمال نجوم كبار مثل الزعيم عادل إمام وسمير غانم ومحمد صبحي، أصبحت اليوم شبه خالية من المسارح الخاصة، مع توقف أكثر من 23 مسرحًا. هذا الواقع ينبع من تحديات متشابكة: اقتصادية، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج من إيجار القاعات وأجور الممثلين مقابل عائد مادي ضئيل؛ اجتماعية، مع تحول اهتمام الجمهور نحو المنصات الرقمية وانتشار الثقافة الاستهلاكية؛ وفنية، حيث يعاني المسرح من نقص النصوص القوية، وهجرة المواهب إلى السينما والتلفزيون، وغياب التجديد في الأشكال المسرحية. إضافة إلى ذلك، تعقيدات التراخيص، الرقابة المفرطة، وضرائب الملاهي، وتراجع المسرح المدرسي والجامعي، الذي كان حاضنة للمواهب، أفقدت المسرح دوره الاجتماعي والسياسي كمنصة للنقد وطرح القضايا، كما في أعمال سعد الدين وهبة ونعمان عاشور، ليصبح اليوم ترفيهيًا بحتًا في أغلب الأحيان.
وسط هذا الظلام، يبرز أشرف عبد الباقي كمنارة أمل، يحمل على عاتقه مهمة إحياء المسرح المصري من خلال رؤية فنية وإنسانية عميقة. تجربته مع "مسرح مصر"، التي أطلقها، كانت ثورة فنية أفرزت نجومًا مثل علي ربيع ومصطفى خاطر، وأعادت الجمهور إلى المسارح بكوميديا ذكية. لكن عبد الباقي لم يكتفِ بهذا الإنجاز، بل مضى قدمًا بمشروع "سوكسيه"، الذي انطلق على مسرح نجيب الريحاني، ليكون صرخة ضد اختفاء المسرح وجسرًا يربط ماضيه العريق بمستقبله الواعد. "سوكسيه"، وهو مصطلح فرنسي يعني "النجاح"، يعكس طموح عبد الباقي في تمكين المواهب الشابة من خلال إعادة تقديم عروض ناجحة قدمتها فرق مستقلة في الجامعات، الأقاليم، أو تجمعات الهواة. بدأ المشروع بعرض "عريس البحر"، الذي قدمته فرقة من شباب الجامعة الأميركية والألمانية، وحقق نجاحًا مذهلاً، حيث رفعت لافتة "كامل العدد". العرض المستوحى من الفلكلور المصري، مزج بين التراجيديا والكوميديا، مقدمًا شهادة على إبداع الشباب المصري.
عبد الباقي، بإيمانه العميق بدور المسرح في رقي الأمم، صمم "سوكسيه" كمنصة لدعم الشباب دون تدخل في رؤاهم الإبداعية. يوفر المشروع دعمًا تقنيًا شاملاً من إضاءة وصوت، مع تذكرة رمزية تغطي التكاليف فقط، لتكون العروض متاحة للجميع. يحرص عبد الباقي على مشاهدة العروض مسبقًا، إما مباشرة أو عبر فيديوهات، لضمان جودتها، ويدعو مخرجين ومنتجين لاكتشاف المواهب، مما يمنح الشباب فرصة للانطلاق. تلقى المشروع أكثر من 6000 طلب من فرق وأفراد، ما يعكس شغف الشباب المصري بالمسرح رغم التحديات. على عكس "مسرح مصر"، التي ركزت على الكوميديا بأبطال محددين، يمنح "سوكسيه" الفرق المستقلة حرية التعبير، سواء في الكوميديا، التراجيديا، الاستعراضات، أو الستاند أب كوميدي، ليعيد الحياة إلى الحركة المسرحية بكل تنوعها.
مسرح نجيب الريحاني، الذي اختاره عبد الباقي ليكون قلب "سوكسيه"، يحمل رمزية عميقة. هذا المسرح، يرتبط بزعيم المسرح الفكاهي نجيب الريحاني وبديع خيري الذي عكس هموم المصريين بأسلوبه الساخر. عبد الباقي لم يكتفِ بتجديد المسرح، بل نحت تمثالاً للريحاني وكتب اسمه فوقه، ليصبح منارة ثقافية في شارع عماد الدين، الذي كان يومًا قلب الفنون المصرية. من خلال "سوكسيه"، يسعى عبد الباقي لإحياء هذا الشارع وتراث الريحاني، موفرًا منصة لجيل جديد في وقت أغلقت فيه معظم المسارح الخاصة أبوابها.
أخيرًا
دور عبد الباقي لا يقتصر على كونه منتجًا أو مخرجًا او فنان وممثل يؤمن بفنه ، بل هو رؤيوي يتحدى واقعًا قاسيًا. في ظل أزمة ثقافية تهدد الهوية المصرية، حيث فقد المسرح دوره كمنصة للنقد الاجتماعي والتعبير عن الآمال، يقف عبد الباقي كمقاوم يراهن على الشباب لإعادة المسرح إلى مكانته. الانتقادات التي يواجهها، والتي تركز أحيانًا على طبيعة عروضه، تتجاهل السياق الصعب الذي يعمل فيه. في ظل توقف 23 مسرحًا خاصًا، يقدم عبد الباقي نموذجًا ملهمًا، ويبعث برسالة لكل منتقديه: يمكنكم تقديم مسرح يحمل رؤاكم وتجاربكم، فلدينا العديد من المسارح المغلقة، وهذا يعزز المنافسة ويخدم الثقافة. تجربته تثبت أن المسرح، رغم التحديات، لا يزال قادرًا على جذب الجمهور. "سوكسيه" ليس مجرد مشروع، بل هو رسالة إنسانية وفنية تحمل روح نجيب الريحاني وطموح جيل جديد، تهدف إلى إعادة المسرح إلى قلوب المصريين كمرآة لهويتهم ورمز لرقيهم. إن سوكسيه هو رؤية أشرف عبد الباقي لإنقاذ المسرح المصري، وأؤكد أن رقي الأمم يتجلى في احترامها للمسرح..
مصطفي البلك
[email protected]