طيب القول
الحمد لله الذي جعل أعيادَنا- كمصريين- تَتْرَىَ واحداً تِلو الآخر، وفى كثيرٍ من الأحيان تتزامن وتتلاقَى لتُعِيْدَ البَسْمَة والفَرْحة على وجوهِنا وتمْسح عنها ما قد يكسوها من تحدّيات العصر الحديث من أزمات اقتصادية أو اجتماعية أو حتّى صراعات سياسية وعسكرية.
فتُعِيْدُ إنعاشَ وتقوية الُّلحمة الوطنية وتُجَدِّد بناء أواصر النسيج الاجتماعي الذي يزداد قوّة ومتانة كلّما اشتدت الأزمات والخُطوب، ليُعيدَ المعدنُ النفيسُ والأصيلُ للمجتمع المصري اكتشافَ وتقديمَ ذاته من جديد.
وهذا هو سِرُّ نجاحِنا كمصريين في مواجهة التحديات والصعوبات أيًّا كانت، لأننا نواجهها بإيمانٍ صادقٍ في قُدْرَةِ الخالقِ سبحانه وتعالى على إعانَتِنَا وإخراجِنا من أيّ وضْعٍ مُتأزِّمٍ لفضائِه الرَحْب الفسيح.
ثمّ تلك الروح التي تجمَعنا وتجعلنا على قلبِ رجلٍ واحدٍ، فنتآزَر ويشدُّ بعضنا بنيان بعض، فقد احتفلنا منذ أيام قلائل بعيد الفطر المبارك- عقب صيام شهر رمضان المعظم- الذي تزامن معه الصيامُ الكبيرُ والذي يُخْتَتَمُ خلال سُويعات قليلة بالأعياد والفرْحة، حيث يوم "حدِّ الزَعَف والشعانين والقيامة المجيد".
فعَلَى مدى تاريخ مصرنا العريق، الْتَحَمَ أبناءُ هذا الوطن فى مواجهة الشدائد، منذ مصر الفرعونية القديمة وفى كلّ مراحلها الحضارية المختلفة، فكان تعاطُف المصريين مع أتباع سيّدنا موسى وأخيه هارون- عليهما السلام- وذاتُ الشئ تكرَّر مع سيّدتنا مريم العذراء وابنها المسيح عيسى- عليهما السلام- وهو ذاتُ الموقف والشعور مع دخول نور الإسلام على يدِّ الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم أجمعين- وهذا ما جعل المؤرِّخين يَصِفُون المصري بأنه "مُتَدَيِّنٌ بِطَبْعِهِ".
فـ"الدِّيْنُ" هو التعامُل الحَسَنُ الطيّبُ مع الآخر، بغضِّ النَظَرِ عن دِيْنِه أو جنْسه أو لونه أو موْطِنه ومكان نشأته، لذلك نجد أغلب المصريين يتشارَكون وجدانيًّا واجتماعيًّا فى كثير من مظاهر الاحتفالات- خاصّة الدينية- فلا يستطيع أحدٌ التفريق بين مُسْلِمٍ أو مسيحيٍّ فى الاحتفال باستقبال شهر رمضان أو عيدي الفطر والأضحى، أو فى أعياد القيامَة والميلاد المجيد ومظاهر الاحتفال بـ"حَدِّ الزَعَف أو الشَعَانين" وغيرها من الاحتفالات التي تجمَع المصريين، لذلك فأعيادُ واحتفالاتُ المصريين- رغم ارتباطها بشَعَائر دينيّة- إلا أنها تربِطهم اجتماعيًّا ووجدانيًّا، وهذا هو سِرُّ "السَبِيْكَة المصريّة المُتَفَرِّدَة" التي نَفْخَرُ ونتباهَىَ بها دومًا، ونحمدُ اللهَ على أن وَهَبَنَا إيَّاها، وندعوه سبحانه- جلَّ شأنُه- أن يُدِيْمَها علينا ويزيدها قوَّةً وصلابَةً.
وجميعُ أبناءِ مصر الشُرَفَاء المُخْلِصِين "يدٌ واحدةٌ" لتقويَة وترسيخ هذه القيَم والمفاهيم، من خلال "الوعيّ الجَمْعِي" الذي تقوم به كلّ المؤسّسات الوطنيّة ومنظَّمات المجتمع المدنِي.
لذلك حينما نردِّد "تحيا مصر بأبنائها الشُرَفَاء المُخْلِصِين" فهو ليس مجرّد شعار أو كلام يُقَال، إنّما هو "عقيدة" قوميّة وطنيّة راسِخة في قلوب وعقول كلّ مصري مُحِبٍّ لوطنِه وأهلِه، ساعيًا لتحقيق رِفْعَتِه وتقدُّمه.
ومع كلِّ احتفالٍ أو مناسبةٍ- خاصّة الدينيّة- لا يسعنا إلا أن نقول لجميع المصريين: كلُّ عامٍ وأنتم بخير وأمْن وسعادة، تُظَلِّلُنَا المَحَبَّة والأُخُوَّة الخالِصة للهِ وللوطن.