مع دوران عجلة الحياة دون توقف تسقط من بين أيادينا العديد من الواجبات عن غير قصد ، أبسطها الدفاع بجراءة عما تراه حقا وتراها حقيقة ، تقابلت مع العديد من الشخصيات الوازنة بعد تقاعدها او خروجها من دائرة الضوء وتبعاته ، وأحزنني وأزعجني حكاياتهم عن الفرص التي أضاعوها أثناء وجودهم في السلطة نتيجة ما يسمى بالمواءمات وخجلهم من التعبير عن اراءهم وطرح مقترحاتهم أمام الجهات الأعلى ، واكتشفت أن هذه السمة متجذرة في الشخصية المصرية أو الموظف المصري ، لكن حينما يتحرر الإنسان من قيوده الوظيفية التي تجعله حرا طليقا في التعبير عن آراءه مهما كانت مزعجة للبعض ، بيد ان العمل العام المثمر يحتاج إلى نوعية من البشر لديهم الجراءة المطلقة للدفاع عن مبادئهم وثوابتهم والتعبير عن اراءهم دون النظر إلى ردود افعال او أقوال الآخرين ، لو تحرر الناس من الهوى والغرض لاستقامت الأمور ، لكن المواءمات والحسابات والخواطر والخوف على المصالح المتحققة أو التي هي قيد التحقق تمثل خيانة للأمانة والحق والصالح العام ،
*
أما لماذا أكتب في هذا الموضوع الآن ، فالسبب الرئيس هو هذا الكم من الفرص الضائعة على الوطن والأمة جراء الهوى والشخصنة والمواءمات وهذه الفرص من العهد الملكي ثم الناصري ثم الساداتي وصولا إلى اللحظة الراهنة ، اخطر هذه الظواهر هو التساهل وعدم التدقيق في اختيار بعض من يشغل مواقع مؤثرة في المجتمع وعدم احترام آراء اصحاب الخبرة في هذه الاختيارات ، الكارثة ان هذا المسؤول الذي تسلل إلى منصبه في غيبة المنطق ومذبحة تكافؤ الفرص يفشل في اداء المطلوب منه لأنه ببساطة لم يكن مناسبا من الأساس لا فنيا ولا إداريا ، اما الكارثة الأكبر فهي استمراره والدفاع عن قراراته البائسة لدرجة التنكيل بكل من ينتقده وغض الطرف عن نزواته الإدارية التى لا تخرج عن إطار منظومة الفوضى التي يحاول البعض الحفاظ عليها لتحقيق مصالحهم الذاتية.
*
اكتشفت بالصدفة أن من يدافع عن فاشل أو ضعيف أو فاسد ليس له مصلحة مباشرة إلا الدفاع المستميت عن اختياراته وترشيحاته هو فقط وليس حبا في المسؤول الضعيف ، لذلك لم أعد اندهش حينما اسمع من احدهم أقولا مزعجة لكنها تصيب احيانا كبد الحقيقة .
" هو فلان ده تبع مين ؟ او فلان ده مين اللي جابه ؟ بلاش تهاجم او تنقد فلان لأنه تبع فلان فيظن فلان الأخير انك بتهاجمه فتهاجمك كلاب السكك مجاملة لفلان المهم " ،الحقيقة أنني شخصيا مؤمن ايمان راسخ لم يتزعزع لحظة ان الدولة المصرية كبيرة وعلى رأي الاستاذ هيكل " في الآخر بتعمل الصح " ، أنا أحب الرئيس وأثق به وأحسن الظن في سيادته واراه مجردا موضوعيا متواضعا لا يخشى في الحق لومة لائم ، وارى ان الكثيرين لم يتعلموا من الرجل ما يعينهم على كيفية مواجهة كل تلك الأدبيات الراسخة في مجتمعنا وهي خطأ ، فالرئيس يحاول تكسير وتبديد كل مسببات التراجع باحثا عن أدوات التقدم فقط
*
لكن هناك بالتأكيد رجال شرفاء كثر في مواقع المسؤولية ، لكن ايضاً هناك أناس لا يستحقون مواقعهم وبقاءهم يمثل "عيب سياسي " وخصما من رصيد الحق ، وهنا استحضر ما قاله يوما الرئيس " اللي مش قادر يشتغل يتفضل يستأذن " ، وانا هنا أتحدث بتجرد في العموم ولا اقصد أناس بعينهم حتى لا تختزل كلماتي وتوضع في سياق خاطئ ، أنا اتساءل بصدق عن آلية اختيار المسؤولين في مصر بدءا من رؤساء الجهات والهيئات والمؤسسات وصولا إلى الوزراء أنفسهم ، وما دور الاكاديمية الوطنية للتدريب في إعداد الكوادر القادرة على تحمل المسؤولية ؟ وكيف يتم اكتشاف العناصر الموهوبة واجتذاب الطيور المهاجرة للمشاركة في استكمال مشروعنا الوطني الكبير ؟
*
واتساءل ببراءة حقيقية -وأشهد الله على ذلك - لماذا تحاط الترشيحات لأي منصب دائما بالسرية الشديدة ؟ وما هو الضرر من إعلان او تسريب أسماء المرشحين لمنصب ما على الرأي العام لنرى مزيدا من المعلومات او الاراء او الترشيحات التي قد تكون افضل ؟ أنا أكتب عن ذلك في وقت لا توجد فيه تغييرات ولا ترشيحات - كما اعتقد - ولا أشير إلى أحد بعينه ولكنني احاول أن أقول بعضا من ملاحظاتي ان جاز لي أن افعل حبا واحتراما.