فعليا بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الثانية.. وإذا اعتبرنا ان فترة ولايته الأولى في البيت الأبيض هي مؤشر لما هو قادم، فمن المرجح أن يبقي ترامب الشرق الأوسط على رأس أجندته جنبا الى جنب مع الصراع في أوكرانيا والأزمة التجارية مع الصين.
خلال سنواته الأربع الأولى، صنع ترامب التاريخ باختيار المملكة العربية السعودية لأول رحلة خارجية له، وحاول التوسط في "صفقة القرن" بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وعزز التكامل الإقليمي لإسرائيل في المنطقة، وكثف من الضغط بشكل كبير على إيران، وحتى الان يظل ملفي تل ابيب وطهران هما القضيتان المتناقضتان اللتان يجب ان يتعامل معها ترامب لاستعادة خطته في المنطق.
لكن مياه كثيرة جرت من تحت الجسور منذ نهاية حقبة ترامب الأولى، ولم يعد الشرق الأوسط الذي تركه قبل سنوات هو نفسه الان، حيث تضج المنطقة بمتغيرات دراماتيكية، سقط النظام السوري وحل بدلا منه جماعة مسلحة مصنفة إرهابية حتى اللحظة، انتهي الي حين دور حزب الله في لبنان بعد الضربات الساحقة التي تعرض لها بما في ذلك اغتيال حسن نصر لله، فقدت حماس أو كادت كل مراكزها السياسية والعسكرية في قطاع غزة. والنتيجة ان الصراع الذي اشتعل في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ وبدأ بما يعرف بوحدة الساحات أوشك ان ينتهي بدون ساحات فضلا عن غياب معظم ان لم يكن كل قيادات التي اشعلت فتيل هذه الازمة.. وهذه المتغيرات انعكست إيجابيا على الوضع في لبنان الدي نجح بالترهيب والترغيب في تسمية رئيس جديد منذ شغور هذا المنصب قبل ما يقرب من ٤ سنوات هذه النهاية ربما تكون هي الحسنة الوحيدة التي لم تكن في الحسبان تسمح بالولوج الي شرق أوسط اقل عدائية بما يمهد الطريق أمام ترامب لاستكمال رؤيته التي بدأها في ولايته الأولى بالاتفاق الابراهيمي والذي شهد تطبيع العلاقات مع تل ابيب وأربع دول عربية، وضعت آفاق دولة فلسطينية مستقلة.
بالنسبة للملف الاول، يأمل ترامب في تسريع دمج إسرائيل في الشرق الأوسط، لكنه قد يواجه تحديا في رفض الرياض تطبيع العلاقات مع الدولة اليهودية حتى ترى مسارا للدولة الفلسطينية، وهو ما رفضته إسرائيل بدورها.
في الوقت نفسه فان استراتيجية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي اعتمدت على ان افضل وسيلة للوصول الى دول الخليج هو اشعال صراع مع ايران لتحجيم حكم الملالي قد ثبت فشلها.
أيضا صفقة الرهائن في القطاع عززت كثيرا من وضع ترامب ومنحته انتصارا سهلا في اول أيام رئاسته بما يمنحه فرصة أكبر لتحقيق ما يطمح اليه في قضايا اخري مثل الملف الإيراني ومعضلة الحرب في أوكرانيا.
قد يكون هذا السيناريو هو الأفضل، ولكن هناك عدة مشاكل قد تعقد المشهد العام منها، أن تحالف نتنياهو الحاكم يسير على حبل مشدود لأنه يتكون من جناحين يمينيين متطرفين يصعب التوفيق بين رغباتهما ومتطلبات العملية السياسية، وهو ما يعنى مزيد من الالاعيب للتوفيق بين الرغبات والمتطلبات.
أيضا يدرك الجميع ان استمرار الحرب في حد ذاتها يمثل سببا لبقاء نتنياهو وتحالفه في السلطة، لأنه في اللحظة التي يتوقف فيها إطلاق النار، سيكون هناك على الفور استئناف مكثف للقضايا الجنائية ضد بيبي. بل سيكون هناك طلب شعبي وفي الكنيست لتشكيل لجنة تحقيق وطنية للتحقيق في كل ما أدى إلى الهفوات الأمنية والسياسية التي سمحت ب 7 أكتوبر، ووقتها ستتصاعد المطالب لاستقالته ولإجراء انتخابات مبكرة بما يعني نهاية غير سعيدة ومحبطة لطموحات ترامب في الدرجة الاولي..
أيضا ان الازمة التي صدرها نتنياهو قبل أسابيع، بانه يسعي لضم الضفة وغزة مرة اخري لن تروق لترامب، فرئيس الوزراء الإسرائيلي سبق خلال فترة ترامب الاولي ان غادر الي واشنطن على أمل أن يحصل على اذن من ترامب بخطة الضم الا انه عاد من هناك وهو مؤمن بصفقة القرن، والتي تضمنت حل الدولتين. وأخيرا ربما المشكلة الأكثر تعقيدا هي أن نتنياهو نفسه ليس لديه استراتيجية حقيقية او رؤية موحدة لليوم التالي، بل انه حتى الان لم يتمكن من ترجمة النجاحات العسكرية الأخيرة لإسرائيل إلى مكاسب سياسية مستدامة. وهذا هو الفشل الكبير لحكومة نتنياهو.
وبالنسبة للملف الثاني، فإن السنوات الأربع المقبلة يمكن أن تكون أكبر اختبار للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها في عام 1979، فطهران، قضية متشابكة للغاية، فهي طرف في الصراع العربي الفلسطيني، وهي أيضا طرف فاعل في ازمة أوكرانيا، وبنفس القوة هي تتواجد في ملف العلاقات المحتدمة بين بكين وواشنطن، ونتيجة اي ضغط امريكي عليها سيكون اشبه بنظرية الاواني المستطرقة، وفي ظل احتماليه وجود خطأ في الحسابات، فان فكرة ممارسة الضغط علي طهران لتقليص نفوذها او التنازل عن برنامجها النووي مثلا تصبح غير مأمونة العواقب ومقامرة مجهولة النتائج علي مختلف القضايا الأخرى . ترامب، الذي يفخر بأنه صانع صفقات رئيسي، فشل خلال فترته الأولى في احتواء نفوذ طهران في الشرق الأوسط على الرغم من الانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015 للحد من البرنامج النووي الإيراني، وإعادة فرض العقوبات عليها، وحتى اغتيال قاسم سليماني، القائد العسكري الذي أشرف على العلاقات مع وكلاء إيران في المنطقة لم يكن حاسم في تلك القضية المسماه بوحدة الساحات.
لا يزال هناك فرصة أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة ترتيب الأمور إذا أراد ان يحقق نجاحات كبيرة واستثنائية تخلد اسمة في التاريخ الحديث.