رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


أخيرا دخل وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيز التنفيذ، وتضمن علي حسب ما نشر فترة انتقالية مدتها 60 يوما، ينسحب خلالها الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، وسيتم نشر الجيش اللبناني في المناطق القريبة من الحدود، وسينقل حزب الله أسلحته الثقيلة شمال نهر الليطاني.
وحتي قبل الإعلان بدقائق كانت الجبهة مشتعلة وصواريخ حزب الله تتساقط على كبري المدن الإسرائيلية، فيما تواصلت الهجمات والاغتيالات التي تنفذها طائرات الاحتلال على ما تبقي من قيادات الحزب في الضاحية والجنوب اللبناني، خاصة انه بعد استنفاد بنك الأهداف العسكرية التقليدية، انتقلت إسرائيل إلى شن هجمات في مناطق مختلطة لابقاء المفاوضات تحت ضغط الحرب لتحقيق ماتريده فيما يتعلق بتمديد تواجدها في الجنوب لمدة اربع أسابيع بعد التوقيع، سعيا منها إلى تأسيس واقع جديد تحت رعاية دولية، مع التركيز على التغييرات الأساسية في آلية نشاط اليونيفيل.
وبدون شك فإن الدافع وراء التقدم في المفاوضات هو قلق الجانب الإسرائيلي من أنه إذا لم يتم التوقيع على اتفاق سريعا، فإن الولايات المتحدة سترفع يديها عن الوساطة بين إسرائيل ولبنان. وزاد الامر تعقيدا بعد تهديدات واشنطن انها ربما تمرر أي قرار قد يصدرة مجلس الامن ضد تل ابيب دون استخدام الفيتو مما يعرضها لعقوبات سياسية واقتصادية، بالإضافة الي ان بنيامين نتنياهو يتصرف تحت ضغط داخلي متزايد من المتطرفين سواء في الحكومة او الجيش، خوفا من أن يؤدي إنهاء الحملة دون تحقيق إنجاز كبير إلى اتهامات بالوقوع في "الفخ اللبناني". وترفض حركة "جنود الاحتياط – جيل النصر"، الإسرائيلية التي تضم مئات القادة وجنود الاحتياط في جيش الاحتلال، اي اتفاق لوقف إطلاق النار مع لبنان وتقول: "إن أي ترويج لاتفاق يتضمن انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان يبصق على وجوه سكان الشمال ومقاتلي الجيش الإسرائيلي، يسمح لحزب الله بإعادة تأهيل نفسه والمضي قدما في حرب لبنان الرابعة في وقت قصير".
نتنياهو، يدرك ان اللحظة الراهنة مواتيه لتحقيق العديد من الأهداف في وقت واحد، فهناك رئيس امريكي جديد اعلن انه يريد صنع السلام في الشرق الاوسط ، وهو أيضا صديق شخصي له، بالإضافة الي ذلك استغلال الوضع القائم حاليا والبناء علي ما حققه من إنجازات مؤخرا، والاستفادة من التصعيد في المنطقة لتعزيز ترتيب إقليمي أوسع يشمل سوريا ايضا، لكن هذه الخطوة تحديدا يرفضها حزب الله وسيسعي لافشالها لانه يدرك ان أي اتفاق مع دمشق سيشمل بالتأكيد تعهد بعدم امداد حزب الله بالمال والسلاح القدمين من ايران ما يعني خنق الحزب سياسيا وعسكري فعليا باعتبار ان دمشق هي شريان الحياة له.
المؤكد ان الاتفاق قد تم اقراره، وتبعا لبنوده فهناك ٦٠ يوم يحدث فيها وقف شامل لاطلاق النار وانسحاب تدريجي لجيش الاحتلال من القري الجنوبية عبر ثلاث مراحل، مقابل بدء انتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية مع خروج كل القوات التابعة لحزب الله من الجنوب الي ما وراء نهر الليطاني لمسافة ١٠ كيلومترات، علي ان تشكل لجنة خماسية تضم كلا من لبنان، إسرائيل، الولايات المتحدة، فرنسا، وقوات اليونفيل لمتابعة وتنفيذ بنود الاتفاق، والتي سيوكل لها أيضا ضمان عدم وصول أسلحة الي حزب الله في لبنان جوا وبحرا. وفي حال تنفيذ كل بنود الاتفاق يصبح نهائيا مع وجود ورقة منفصلة تضمن بها واشنطن حق إسرائيل في التحرك ضد التهديدات الفورية التي قد تتعرض لها من لبنان.
لسنا هنا بصدد الحديث عن جدوي هذا الصراع ولا نتائجه وما هي حسابات المكسب والخسائر ولا حتي أهمية ما يسمي بوحدة الساحات هذا الاختراع الايراني لانها واضحة ولا نحتاج الي إعادة تكرارها.. المهم الان هو ان لبنان امام فرصة حقيقية لاستعادة حيويته بعيدا عن أي مزايدات او انتصارات وهمية لا يدفع ثمنها الا شعب هذا البلد.
منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي تحول لبنان إلى مركز حرب بالوكالة بين إيران وإسرائيل. وأصبحت ارضه المكان الذي يتصارع فيه البلدان بشكل ظاهري حول النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ولبنان يمثل الرقم الأهم ضمن قائمة "وحدة الساحات" او "جبهة الاسناد" التي صنعتها طهران وتضم بالإضافة لها بعض الميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن تحت مزاعم مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. خصوصية لبنان تاتي من انها البلد الوحيد الذي استثمر فيه نظام الملالي مئات المليارات من الدولارات منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي لصالح حزب الله لبناء قدرات عسكرية واقتصادية وبني تحتية استفاد منها بشكل خاص سكان الجنوب والضاحية في بيروت حيث يقطن الغلبية الشيعية، هذا الاستثمار مكن حزب الله من فرض سياسته وقرارته تقريبا على كل الدولة اللبنانية بما في ذلك الجيش الذي تتضائل قوته تماما امام ترسانة الحزب العسكرية والتقنية.
إسرائيل ليست القوة الوحيدة التي تزيد التوترات في لبنان. يتحمل حزب الله أيضا المسؤولية. لقد مارس التنظيم نفوذا كبيرا في لبنان، وأثار الاستياء لدوره المتنامي في الصراعات الإقليمية، وخاصة في سوريا. كما اكتسبت غضبا واسع النطاق لاستعدادها لنشر القوة العسكرية ورأس المال السياسي داخل البلاد لحماية مصالحها والحفاظ على الوضع الراهن.
ومنذ اعلان حسن نصر الله الأمين العام السابق للحزب في الثامن من أكتوبر ٢٠٢٣ دخوله في حرب ضد تل ابيب دعما واسنادا لجبهة غزة، وتتعرض البلاد هجمات إسرائيلية غير مسبوقة طالت تقريبا كل قيادات الحزب من نصر الله حتى قيادات الصف الثالث، فضلا عن التسبب في أضرار إنسانية واقتصادية زادت من مخاوف سقوط لبنان مرة اخري في دوامة الحرب الاهلية. ويمثل تراجع قدرة حزب الله وقوته بعد الضربات التي تعرض لها فرصة لجميع الفرقاء اللبنانيين من اجل استرداد بلدهم، ويعتبروا ان المفاوضات الجارية لوقف إطلاق النار وانتخاب رئيس للجمهورية بمثابة هدية من السماء لا يجب تفويتها للتخلص بشكل شبه نهائي من سيطرة ونفوذ الحزب وداعمه المباشر إيران على القرار السياسي والعسكري في لبنان.
من جانبه يدرك حزب الله جيدا أنه كلما استمرت حربه مع إسرائيل، زاد الضغط الذي سيواجهه من اللبنانيين - بما في ذلك الآلاف من ناخبيه، الذين فقدوا كل شيء. ووافق على وقف إطلاق النار مع إسرائيل حتى قبل اغتيال أمينه العام. حتى رئيس البرلمان نبيه بري، الذي أصبح مفوضا باسم الحزب بعد اغتيال كل قادته تقريبا قال إن الحزب يقبل أيضا تنفيذ قرار الأمم المتحدة 1701، الذي أنهى الصراع بين لبنان وإسرائيل عام 2006. ويدعو هذا القرار كلا الطرفين إلى احترام الحدود الإسرائيلية اللبنانية، وإلى أن توقف إسرائيل هجماتها العسكرية فوق لبنان (وهو أمر يبدوا انها ستوافق عليه)، وأن ينسحب حزب الله من الحدود وما وراء نهر الليطاني في جنوب لبنان. كما يدعو الدولة اللبنانية نفسها إلى تنفيذ اتفاق الطائف - اتفاق عام 1990 الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان - وقرارين سابقين للأمم المتحدة، 1559 و1608، اللذان يطالبان بنزع سلاح حزب الله.
لكن هذا بالكاد يعني أن حزب الله سوف يتراجع خطوات الي الوراء عن الساحة السياسية والعسكرية في لبنان، لكنه بعيد كل البعد عن الخروج من هذا البلد، لانه ببساطة هو جزء من نسيجه الوطني، وربما يشكل الجزء الأكبر في الفسيفساء اللبناني وخروجة النهائي قد يمثل كارثة بسبب فراغ القوة الناشئ عن هذا الغياب الذي ربما يشجع قوي اخري على ملء هذا الفراغ بما يزيد المخاوف من التدحرج نحو حرب أهلية جديدة.
بالفعل حزب الله فقد أعدادا كبيرة من عديده وعدته العسكرية وإمدادات الأسلحة والوجيستيات، فضلا عن بعض البنية التحتية المالية والاقتصادية. لكنه لا يزال يمتلك وجود سياسي كبير، بما في ذلك 13 عضوا في البرلمان اللبناني وشبكة من المنظمات غير الحكومية التي توفر مجموعة واسعة من الخدمات الاجتماعية لناخبيها. كما أن لديه جيلا جديدا أصغر سنا من القادة الذين تدربوا وخاضوا معارك كثيرة في سوريا منذ ٢٠١١. إلى حد ما، هذا الجيل أكثر أيديولوجية من الجيل السابق. تجاربها التكوينية متجذرة تماما في مفهوم تشكيل "مجتمع مقاومة"، الذي أنشأه حزب الله.
من السابق لاوانه تقييم الاتفاق، لكنه سيؤدي بالضرورة الي بعض النقاط التي قد يراها البعض سلبية والبعض الاخر إيجابية، لكنها جميعا تظل مؤقته ومرهونة بالظروف المحيطة والداخل اللبناني، منها انه في كل الأحوال فان وقف إطلاق النار يضع إسرائيل في موقف متفوق بشكل واضح، مع تجنب العقوبات الدولية المحتملة. إن الضمانات الأمريكية تمنح جيش الاحتلال الحق في استهداف لبنان مجددا. فصل لبنان عن الصراع في غزة، وسقوط ما يسمي بوحدة الساحات. تمكين إسرائيل من التركيز على جبهة غزة واستعادة رهائنها. يسمح الاتفاق بإعادة التنظيم العسكري لجيش الاحتلال مما يقلل من الضغط على القوات الاحتياطية والنظامية. تخفيف قبضة حزب الله علي لبنان بما يسمح بإعادة الحياة الي مؤسساته الرئاسية والتنفيذية. الاتفاق لا يقضي على التهديد العسكري للمجتمعات الشمالية في إسرائيل ولا يفكك الهيكل التنظيمي العسكري لحزب الله حتى مع وجود قيود على إعادة تسليحة.
لن يكون من السهل إنشاء مستقبل أفضل للبنان ومعظم القيادات والرموز السياسية الحالية مارست وانخرطت في الحرب الأهلية اللبنانية 1975-90، صحيح انهم الان أكثر حذرا بشأن الانجرار الي بؤر الاستقطاب الطائفي. ويرون بوضوح هذه اللحظة فرصة لإعادة تشكيل التوازن السياسي للبلاد وربما تصحيح العيوب السياسية التي ارتكبوها في الماضي. الا إن مستقبل هذا البلد لا بد وان يشارك فيه كل اطيافه بما فيهم حزب الله.. وتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار بما فيه من انتخاب رئيس للجمهورية دون موافقة الحزب سيجعل المجتمع الشيعي المحاصر يشعر بأنه يتم نبذه وتهميشه بشكل أكبر في النظام السياسي الجديد في لبنان، ويمكن أن يؤدي هذا الي نتائج غير مرضية ويفتح الباب امام جميع أنواع الصراعات والاضطرابات. وقد تعود بالبلاد إلى حقبة من الاغتيالات السياسية أو حتى إلى الفوضى والاختطافات في الثمانينيات.، ويبقي المخرج الوحيد هو اجماع الفرقاء اللبنانيين على كلمة سواء والتوصل إلى نوع من خارطة الطريق لإعادة البلاد إلى المسار الصحيح. اللبنانيون وحدهم من سيحددون ان كان هذا الاتفاق سيودي الي سلام دائم ام مؤقت.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة