طيب القول
نعيش فى عصر يُعْرَفُ بالتخصُّص الدَقِيق، بل شديد التخصّص لدرجة وجود تخصيص لهذا المُخَصَّص أصلا، ويتّضح هذا أكثر فى المجالات الطبّيّة عامّة، وغيرها من المجالات الحياتيّة المُرتبطة بمصالح الناس ومعاشِهم وما ينفع ويفيد حياتهم.
وكذلك الحال بالنسبة للعلوم الدينية، فى الأديان السماويّة الثلاثة، فنجد الأحْبَار والقساوِسة والرُهْبَان والعُلماء والأئمة والوعَّاظ- وهؤلاء لِشِدَّة وعُمق عِلْمِهم يُقَدِّرون ما يحملُ بعضُهم من تخصّص فى أجزاء من الدين- فمثلا لدينا فى الإسلام: الفقه، وأصوله، الشريعة، المواريث، الزواج والطلاق، التفسير، الحديث، وغير ذلك من التخصّصات المتنوّعة والدقيقة. حتّى أن بعض العلماء يمتنع عن الحديث فى تخصّص لم يتعمَّق فيه، إجلالا وتعظيمًا لدِيْن الله، وخَشْيَةً وتوَرُّعًا من الوقوع فى الخطأ أو الذَلَلِ غير المقصود.
والعلم الحديث يُشَجِّع هذا التوجّه ويُنمِّيه لما فيه من خيرٍ وإسعاد للبشريّة جمعاء، بل وُضِعَت القوانين والتشريعات التى تحمى هذا التوجّه بالتخصّص العلمى، فوُضِعَت العقوباتُ المناسبة لمنع الدُخلاء من ممارسة أو امتهان مِهَنٍ وعلومٍ بعينها، لما يخلِّفه ذلك التدخُّل من مخاطر وأضرار على المجتمع وأفراده.
بل لم نجد أحدًا نَبَغَ أو تخصَّص فى مجالٍ ما من المجالات يحاول التدخُّل أو تقييم عِلْم أو تخصّص لم يدرسه ويُؤَهَّل لفِهْمه، إلا الدِيْن- وتحديداً الدين الإسلامي فقط للأسف الشديد- هو الوحيد الذى أصبح مستباحًا لكلِّ "مَنْ هَبَّ ودَبَّ"، ومِنْ أتباعِه أو مَنْ يزعمون ذلك!
تفرَّغ أولئك النفرُ من أعمالِهم وتخصّصاتهم وانشغلوا بالخوض فى علوم الدين المختلفة، والتطاول على الأحكام الشرعية والتفسيرات المُعْتَبَرَة للأئمة الأعلام، مُقدِّمين تحليلاتهم باعتبارها هى الأصوب والأدقَّ! ولو أنهم انشغلوا بتخصّصاتهم وعلومهم التى دَرَسوها لفَلَحُوا ونفعوا وأفادوا أنفسَهم وغيرهم!
لكن الواقع يقول أنّهم كـ"التى رَقَصَت على السِّلِّم"، وحينما ينطفئ وَهَجُ "التريند" وتخمَد هُوجة الشُهرة، وتهدأ زوْبَعة الفنجان، سيكتشفون أنّهم مجرّد زَبَدٍ ذَهَب جُفَاءً ولم ينفع أحدًا، ولا يذكرهم أحدٌ، وإن حدث وذُكِرُوا فبالسوء ليس إلا! "...فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)" سورة الرعد.
وستطويهم صفحةُ الزمنِ وكأنّهم لم يكونوا من قَبْل، فلا هُم أضافوا سطرًا أو كلمة فى مجال تخصّصهم، ولا احترموا تخصّص غيرهم وتعلَّموا واستفادوا منهم! ولم يَنَلْهُم إلا ازدراء الآخرين لهم، لأنّهم مجرّد أدعياء لا وزن لهم ولا قيمة.
لكن يبقى على أُوِلى الأمر أن يبحثوا عن السُبُلِ الكفيلة لضمان عدم تكرار، أو بالأحْرى منع الأدعياء والدُخلاء من الحديث فى الدِّيْن، ليس حَجْرًا على تعلُّمهم، فالتعلُّم بابُه مفتوح دائما، بل نحن مأمورين بذلك من الخالِق سبحانه وتعالى ونبيّه- صلى الله عليه وآله وسلّم- والآيات القُرآنية الكريمة والأحاديث النبويّة الشريفة الدَّالَة على ذلك أكثر من أن تُحصى، إنّما المقصود منع غير المؤَهَّلين والمتخصّصين من الحديث فى الدين.
فالّلهم علِّمنا ما ينفعَنا، وانفعنا بما علَّمتنا، واهدنا جميعًا سُبُلَ الهداية والرَشَاد، وجَمِّلْنا بحُسن التعلُّم.