رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء


بين الحقيقة المرة وبين اتخاذ إجراءات وآليات متابينة للتكيف والتعايش، قلبت التغيرات المناخية بتداعياتها الكثير من حسابات البشر..
فلا يكاد يمضي يوم إلا ونشهد إطلالاتها وتأثيراتها الضارة في مختلف أرجاء المعمورة نتيجة استمرار التلوث والانبعاثات الكربونية بمعدلات مرتفعة فاقت كل التوقعات!.

وبين الفينة والأخري تتداعي علامات الاستفهام، وتقفز إلي الأذهان تساؤلات جمة، حول مستقبل العالم في ظل هذه التغيرات المتسارعة الخطي، وهل كل آثارها شر محض يطل بوجه مظلم هنا وهناك..
فهل تبتسم الطبيعة للبعض من جديد، بعد أن تعرضت لعدوان منظم وهدر بيئي لأنظمتها وثرواتها وموائلها الايكولوجية المتوازنة..وهل تعلن عن غضبتها وامتعاضها في أماكن أخري!.

هذه الهواجس ستجيب عنها الأيام تباعا وستكشف حقيقة الظالم والمظلوم، كما تتحدث دراسات كثيرة عن الجانب المشرق للتغيرات المناخية على الحياة بكل عناصرها البيئية فى الأرض والهواء والمياه.

حيث تشير هذه الأبحاث إلي أن هناك تأثيرات إيجابية على الصعيد البيئي، وفقا لمؤشرات الواقع نتيجة لتغير أحزمة المطر، وتزايد درجات حرارة الأرض، ومن أبرزها زيادة الغطاء النباتي في خطوط العرض الشمالية، بالإضافة إلى ما قد تتعرض له بعض أجزاء المحيطات من زيادة في الكتلة الإحيائية للعوالق، كما أن التغير المناخي قد يطال منطقة "الأمازون" بقارة أمريكا الجنوبية بتأثيراته الإيجابية، من خلال زيادة خضرة الغابات المطيرة، وتعزيز نمو الغطاء النباتي الطبيعي، وغيرها.

ومن آن لآخر يتجدد الحديث عن تأثير التغيرات المناخية على الكرة الأرضية، والذي يشهد تفاوتا من دولة لأخرى، لكن بالرغم من الإختلاف على مدى هذه الآثار على الحياة، فما يزال معظم الخبراء متفقين علي تعدد آثارها السيئة والضارة، وفي المقابل ظهرت بعض الآثار الإيجابية لها وخاصة مع بدء تنفيذ بعض الاتفاقيات الدولية والإقليمية والمحلية، والتي أكدت أن هناك خطرا لا مفر منه يطارد الدول النامية الأقل إنتاجا للانبعاثات الكربونية، وماتزال تقف في صفوف المتفرجين انتظار لما يجود به الكبار!.

ومع اختلاف الرؤي يتطلع خبراء البيئة والمناخ إلى أن تتحمل الدول الصناعية مسؤولياتها كاملة إزاء هذه المعضلة البيئية المتفاقمة، دون تلكؤ أو تأجيل أو هروب من التزاماتها الأخلاقية الحتمية، ووضع آليات عملية للاستغتاء عن جزء من برامجها التصنيعية كثيفة الانبعاثات باعتبارها المتسبب الأول في المأزق البيئي الراهن!.

ورغم الوجه المظلم لتداعيات التغيرات المناخية، باعتبارها الحصاد المر لعدوان الإنسان بصلفه وتجبره علي البيئة الإنسانية، إلا أن هناك وجه قد يبدو مشرقا لدي البعض ويمكن توظيف تباينات هذه التغيرات وتأثيراتها من بلد لآخر، مثلما حدث في مصر مؤخرا، وخلال الأسبوعين الماضيين مع هطول كميات كبيرة من مياه الأمطار، مما يبشر بالخير والنماء عن طريق زيادة موارد نهر النيل، وزيادة المخزون الجوفي وتجديده، مما يفتح الطريق نحو تنفيذ مشروعات زراعية جديدة، وإنشاء تجمعات عمرانية وتنموية تسهم في تعزيز استراتيجية الإعمار والتنمية المستدامة.

وفي هذا الشأن ومما يدعو للتفاؤل، رغم تعثر مفاوضات سد النهضة ما أعلنه الخبير الدولي د.عباس شراقي أستاذ الچيولوچيا والموارد المائية بجامعة القاهرة مؤخرا من أن أمطار جنوب مصر ليست سيول فجائية ولكنها جزء أساسى من حزام الأمطار.
وهي ظاهرة غير مسبوقة في العصر الحديث والتقديرات الأولية تشير إلى أن محصلة كمية الأمطار التي سقطت علي مصر تقترب من 2.5 مليار م3 ، وصل منها إلى بحيرة ناصر ما يقرب من 200 مليون م3، كأمطار مباشرة ومن مخرات السيول أهمها وادى العلاقى، وهى تعادل تقريبا كمية المياه التى تصرف من السد العالى يوميا خلال الصيف فى فترة أقصى الاحتياجات.
كما نالت الأراضى الزراعية فى توشكى وحلايب وشلاتين وأبوسمبل جزءا من هذه الأمطار، وباقى المياه وزعت على السطح المتعطش للمياه منذ مئات السنوات، لأن معظم الأراضى شبه مسطحة، مكونة برك مائية فى بعض الأماكن، وسرعان ما تختفى نتيجة البخر الشديد والتسرب تحت سطح الأرض للطبيعة الرملية.

كما كشف د. شراقي أن هذه الأمطار جزء أساسى من تغير حزام الأمطار، واتجاهه نحو شمال قارة أفريقيا، فقد شهدت منطقة النوبة فى مصر والسودان أمطارا غير مسبوقة فى العصر الحديث، مع هطولها بغزارة ولعدة ساعات خلال الفترة من 1 -12 أغسطس 2024، وبالتالى فهذه الأمطار ليست سيول فجائية كما تعودناها، ولكنها جزء أساسى من حزام الأمطار بدءا من جنوب الخليج العربى حتى المحيط الأطلنطى، وحدث له إزاحة إلى الشمال ليشمل جنوب الجزيرة العربية وحلايب وشلاتين وبحيرة ناصر وأبو سمبل وجبل العوينات، وهي المناطق التي عرفت بما يسمي ببرج المياه القديم، علاوة على سقوطها علي جنوب ليبيا وشمال كل من تشاد والنيجر ومالى وجنوب موريتانيا، وفى نفس الوقت انخفضت الأمطار عن المتوسط على سواحل غرب إفريقيا المعروفة بالأمطار الغزيرة.

وتأتي هذه المتغيرات وسط تعقد ملف سد النهضة وتجمد أفق المفاوضات للتوصل إلى حل يحقق مصالح جميع الأطراف، لكن إرادة الخالق عز وجل قادرة علي تغيير حسابات البشر ورد مخططاتهم الخبيثة إلي نحورهم!

ومع تزايد معدلات الاحترار البيئي وتزايد درجة الحرارة ظهرت دعوات داخل أرض الكنانة لزراعة المحاصيل الزراعية الاستراتيجية كالأرز والقمح بطرق جديدة مقاومة للجفاف، مع استنباط أصناف عالية الإنتاجة تتحمل ظروف التغيرات المناخية والإجهادات البيئية.

ومع استمرار التغيرات المناخية ظهرت دعوات لزراعة بعض محاصيل المناطق الحارة كالشاي والقهوة في الأراضي الزراعية الملائمة بمصر ، علاوة علي بعض أنواع الفاكهة الاستوائية والتي تستهوي قطاعا كبيرا من المواطنين، نظرا لقيمتها الغذائية العالية وفوائدها الصحية، وبدأت بعض الصفحات علي منصات التواصل في بث دروس تعليمية لإنشاء مزارع الفاكهة الاستوائية وفتح فرص عمل من خلال هذه المشروعات، ومن ثم الإسهام بطريق مباشر وغير مباشر في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير العملة الصعبة.


ومن أمثلة هذه الفواكه: الباشون فروت، والتي تصنف كأم الفواكه الاستوائية، حيث يوجد منها ثلاث أنواع " بنما وأصفر جولد وجرانديلا"، وأيضا الدراجون فروت، ليشي وبيبينو استار، فروت بيكان، وغيرها.

وأتصور أن من أهم الآثار الإيجابية لقضية التغيرات المناخية، استشعار الناس بالخطر البيئي المحدق، وبدء حملات مكثفة للتوعية بالمخاطر المحتملة، وضرورة تعديل الاتجاهات السلبية، وتغيير سلوكيات البشر نحو الاقتصاد والترشيد، وتعظيم الإحساس بالمسئولية نحو الارض، وتعزيز مبادرات المشاركة فى حماية الأرض وتقليل حجم الانبعاثات لتخفيف وطأة التأثير السلبى للتغيرات المناخية، أو علي الأقل التكيف الإيجابي، والتعايش الفعال !.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة