من الألف إلى الياء
أمسي عالم اليوم في محنة متعددة الأبعاد والأسباب، وفي مأزق كبير ما بين الحصاد المر للتغيرات المناخية والبيئية، وتأثيرات التغيرات البشرية، وما صنعته أجيال من أبناء المعمورة مع سبق الإصرار علي إهدار واستنزاف المقدرات والثروات دون حسابات دقيقة للمستقبل، وما تتطلبه مرتكزات التنمية المستدامة التي تضمن حق الأجيال الجديدة القادمة في حياة آمنة ومستقرة.
ونتيجة لاستمرار الصراعات الدولية وتنامي تداعيات التغيرات المناخية ومع نشوب أزمات الغذاء الأممية خلال الآونة الأخيرة، بدأت العديد من الدول ـ ومن بينها أرض الكنانة وعدد كبير من دول الوطن العربي ـ في تقييم الوضع الراهن بإيجابياته وسلبياته وإعادة حساباتها ومراجعة استراتيجيتها نحو تطوير زراعة وإنتاج السلع الإستراتيجية محليا تجنبا لتقلبات ومتغيرات الأسواق العالمية، وتوفيرا للعملات الصعبة.
كما وضعت المراكز البحثية خططا تجريبية للاتجاه نحو تأمين مستقبل الزراعات الاستراتيجية، وانتهاج سياسات زراعية واقتصادية جديدة تتواءم مع متطلبات التنمية المستدامة والجيل الأخضر.
وبالنظر لمؤشرات الواقع فقد أسهمت التأثيرات السلبية للحرب الروسية الأوكرانية واستمرار النزاعات الأممية والإقليمية في انخفاض تدفقات الأمن الغذائي بصورة مباشرة وغير مباشرة، وصنع أزمات غذائية لها أبعاد اقتصادية وسياسية متابينة، ومن ثم فقد أصبحت هناك حتمية وجودية ومنطقية لتغيير السياسات الحكومية لدي العديد من البلدان، سواء فيما يتعلق بزراعة مساحات جديدة من السلع الغذائية الإستراتيجية كالقمح والذرة والأرز ، أو استنباط أصناف جديدة تتحمل ظروف التغيرات المناخية وندرة المياه، واحتمالات الجفاف في العديد من المناطق.
وفي هذا السياق نجحت المؤسسات العلمية المصرية عبر مشروعين رائدين: الأول هو مشروع تطوير زراعة الأرز بمحطة البحوث الزراعية بسخا تحت إشراف العالم القدير د.حمدي موافي رئيس المشروع القومي لتطوير زراعة وإنتاج الأرز.
وقد شهدت تجارب وأبحاث زراعة الأرز خلال السنوات الأخيرة طفرة نوعية غير مسبوقة كللت بإستنباط وإنتاج أصناف جديدة ومتنوعة تبشر بمستقبل باهر.
كما حصد مشروع "استنباط صنف أرز سخا سوبر 300" الميدالية الذهبية لأفضل المشروعات التنموية الزراعية في عام 2022 بمعرض جنيف الدولي.
وفي ديسمبر 2023، وعن استحقاق وجدارة فاز د. موافي بالمركز الأول لجائزة إتحاد مجالس البحث العلمى العربي وإتحاد الجامعات العربية والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، تقديرا لجهوده الحثيثة في تطوير زراعة الأرز في مصر واستنباط أصناف جديدة تحت ظروف ندرة المياه والتغيرات المناخية"، وصولا لفك رموز المعادلة الصعبة، عبر تحقيق الإنتاج الوفير وترشيد استهلاك المياه وتطوير أصناف جديدة تتحمل كافة الظروف والمستجدات البيئية.
أما المشروع الثاني، فقد نجحت محطة البحوث الزراعية بسخا في استنباط أصناف جديدة من القمح المصري عالي الإنتاجية.
وقد أعلن السيد خليفة
نقيب الزراعيين مؤخرا أن مصر نجحت في تنفيذ تجربة زراعية فريدة لمحصول القمح هذا العام بالتقاوي الجديدة المحسنة عالية الإنتاجة بعد تجارب دامت 15 عاما، حيث تمت زراعة حوالي ثلاثة مليون و200 ألف فدان قمح بالتقاوي المعتمدة والمحسنة ذات الإنتاجية العالية.
وقد بلغت نسبة التغطية بالتقاوي المحسنة حوالي 70% مقارنة بالموسم السابق حيث كانت التغطية حوالي 50%، نظرا للتوسع في البرنامج القومي لتحسين وتوفير تقاوي المحاصيل الاستراتيجية، ومشاركة القطاع الخاص في توفير التقاوي المحسنة.
كما أشار د. مجاهد عمار وكيل معهد المحاصيل الحقلية، أن التقاوي التي تم زراعتها في محطة سخا وهي الزراعة التجريبية الأولى حققت نجاحا من حيث إنتاجية المحصول بنسبة 31% ، مقارنة بالتقاوي العادية حوالي 19 ألف أردب من القمح، ولكن التقاوي الجديدة أنتجت حوالي 25 ألف أردب للفدان.
وأوضح عمار أنه من بين تقاوي القمح الجديدة التي تم تجربتها مصر 4 وسخا 96، موضحا أنها تتميز في أنها مبكرة النضج وذات جودة ممتازة لإنتاج الخبز كما أنها تستهلك مياها أقل من التقاوي الأخرى بنسبة 25% ، وذلك ضمن سلسة أصناف مصر 3،2،1 مؤكدا أنه سيتم منح هذه التقاوي للشركات في الموسم المقبل، وتوزيعها على المزارعين في موسم 2025.
ومع هذا الجهود المستمرة من المتوقع بحلول عام 2025، وصول إنتاج مصر من القمح إلي 12 مليون طن وزراعة ما يزيد عن 4 ملايين فدان بالقمح.
ومن التجارب البحثية المهمة بكلية الزراعة جامعة الزقازيق مشروع انتاج تقاوي "قمح الجفاف" تحت إشراف العالم المصري د.سعيد سليمان أستاذ علم الوراثة بجامعة الزقازيق.
وفي إطار دعم مشروعه البحثي بادر مكتب الإبتكار ونقل التكنولوجيا بجامعة الزقازيق بتكريمه بدرع الابتكار والتميز لجهوده البحثية في مجال تطوير زراعة القمح واستنباط أصناف مقاومة للجفاف والملوحة في الأرز والقمح، مما كلل بنجاحه في تسجيل صنفي أرز عرابي 3 وعرابي 4 المقاومين للجفاف والملوحة واللفحة ويعتبر ذلك أول نجاح لجامعة مصرية في تسجيل صنف مهم من المحاصيل الإستراتيجية المصرية.
كما أعلن د. سليمان عن نجاح مبهر فاق التوقعات لتجربة زراعة قمح الجفاف "عرابي" المهجن بالشيخ زويد بشمال سيناء، العام الماضي، اعتمادا علي مياه الأمطار فقط، وهو ما يبشر بالخير رغم نقص المياه والظروف البيئية القاسية.
وبالنظر للتجارب العربية الأخري الرائدة فعلي الطريق هناك تجارب بحثية مهمة بعدد من الدول كالعراق والمملكة العربية السعودية والجزائر.
ومن التجارب الرائدة في المغرب زراعة حبوب "القمح الصلب" المقاومة للجفاف والحرارة في المغرب ومن المفترض إتاحتها تجاريا خلال العام القادم، وفقا لاستراتيجية "الجيل الأخضر".
وتشير تقارير إلي أنه تم استنباط 6 أصناف جديدة واعدة من القمح القاسي والشعير، تتحمل الجفاف، وهناك أصناف جديدة من الشوفان والشيقم (التريتيكال) تتميز بمقاومة الجفاف وبالتأقلم مع الظروف المناخية الجديدة التي تتسم بقلة الأمطار وارتفاع درجة الحرارة.
وللسنة السادسة تتعرض الأراضي المغربية لموجات جفاف غير مسبوقة، نتيجة قلة هطول الأمطار، مما تسبب في انخفاض إنتاج الحبوب بنسبة 67%.
ونظرا إلى أن الأنواع القديمة من المحاصيل البرية صمدت أمام ظروف مناخية قاسية على مدى آلاف السنين، لذا فإن صفاتها تحمل المفتاح لتطوير محاصيل مقاومة قادرة على تحمُّل الضغوط غير المسبوقة لأزمة المناخ الحالية.
ومن الومضات المبشرة في هذا الشأن توصيات المؤتمر العلمي لتعزيز صناعة التقاوى بالوطن العربي ودعم التنمية الخضراء والذي نظمته منظمة النخلة البيئية، واستضافته جامعة تكريت العراقية مؤخرا تحت عنوان:
"البحث العلمي النهج الأمثل نحو التنمية الخضراء"
وقد استهدف المؤتمر تعزيز صناعة التقاوى بالوطن العربي، باعتبارها بمثابة خارطة طريق نحو الارتقاء بصناعة التقاوي في مختلف البلدان العربية بهدف الحفاظ علي الأمن الغذائي في ظل التغيرات المناخية.
ومن أهم توصيات المؤتمر:
-- إنشاء كيان عربي موحد يهتم بتداول التقاوي بين البلدان العربية وتبادل المعلومات حول تسجيل الأصناف الجديدة.
-- مخاطبة جامعة الدول العربية لعمل مقر دائم لمجلس سلعي تعاوني للتقاوي والبذور.
-- العمل على تعيين منسقين محليين بكل قطر عربي في مجال صناعة وتداول التقاوي لتنظيم التواصل يما يخدم مصالح البدان العربية.
-- استنباط سلالات وأصناف نباتية تتحمل الإجهادات البيئية من المحاصيل الإستراتيجية المختلفة.
-- تشجيع الإبتكارات الصنفية الجديدة ودعم الأبحاث العلمية وتسهيل تمويلها في هذا المجال.
-- الاهتمام بتسجيل الأصناف واستنباط السلالات المتحملة للتغيرات المناخيه القاسيه والتعاون العربي في ذلك وحماية حقوق المربى.
-- العمل على دعم الأصناف المحلية كبديل للأصناف المدخلة والهجينة لمقاومة التغيرات المناخية وتعزيز الأمن الغذائي.
-- عقد مؤتمر عربي حول واقع الأمن الغذائي في البلدان العربية وآليات دعمها.
-- ضرورة الاعتماد علي التقنيات الذكية في مشاريع التوسع الزراعي للحد من اثار تغير المناخ من ناحية وضمان استمرار الإنتاج في أوقات الأزمات والكوارث وضمان استدامة الموارد.
-- التوسع فى إنشاء الغابات الشجرية الخشبيه غير المثمرة فى أماكن مصادر العواصف الرملية اعتمادا على مياه الصرف الصحى بعد المعالجة للتغلب علي التغيرات المناخية.
-- العمل على إنشاء مشاريع زراعية عملاقة في مجال انتاج التقاوي من خلال التعاون مع الدول العربية لتوفير المحاصيل الزراعية الإستراتيجية كالقمح، الذرة، الفول، المحاصيل الزيتية مما سينعكس إيجابا علي ارتفاع أسعار الغذاء.
وفي تقديري أنه من مسلمات الحكمة والحصافة توحيد الجهود العربية والمواءمة توظيف الطاقات المبدعة لتحقيق الأمن الغذائي والاستفادة القصوى من الأفكار التنموية المبدعة ودعم كافة الجهود البحثية والتجريبية لإحداث طفرات إنتاجية تعود بالنفع والفائدة علي مجتمعنا العربي.
كما تسهم في توفير البديل المحلي وتقليل فاتورة استيراد العديد من السلع الاستراتيجية والتفكير بصورة جادة في تحقيق الاكتفاء الذاتي العربي، وإتقاء شرور وتأثير سيناريوهات تغير المناخ على الموارد الطبيعية والزراعية والمائية في مختلف أرجاء الوطن العربي.. ومع الإرادة القوية والعمل الجاد لا وجود لكلمة مستحيل !!.