رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلي الياء

من كتاب الحياة المفتوح وسط هذا الكم الهائل من المتغيرات والتحديات والمغريات نشهد كل يوم دروسا وعبرا وحوادث لها تأثير مباشر وغير مباشر حول خلق الصورة الذهنية للواقع بحلوه ومره، وعلي تصور نمط الحياة القادمة ورؤيةالمستقبل القريب والبعيد، وخاصة لدي أجيال الشباب والناشئة.

ووسط هذا الزخم الكبير يبرز من آن لآخر مجموعة من المحبطين وهواة التأزيم، يسعون بوسائل وسبل مختلفة وملتوية لتشويه الواقع وبث روح اليأس والقنوط، غايتهم الهدم المعنوي، وعزل الشباب عن واقعهم وغرس أنماط من الاغتراب والسلبية، والتقوقع حول الذات ورفض التعامل مع المستجدات، وإهمال البحث عن حلول عملية للتكيف والمشاركة الإيجابية.

وفي هذا السياق أتصور أن من أهم القضايا الاجتماعية العصرية المهمة العمل لمواجهة هذا التحديات والتحصن من تداعياتها المحتملة وآثارها الجانبية الخطيرة، وبناء شخصيات إيجابية قادرة علي العطاء والمواجهة، وإيجاد منطلقات جديدة للتربية العصرية السليمة بما تتطلبه من أبعاد نفسية واجتماعية وتقنية قادرة على تحمل ضغوط الحياة ومسؤولياتها، وصولا إلي صناعة شخصيات فاعلة ومؤثرة.

ومابين الأمس واليوم ورغم تغير أنماط الحياة المعاصرة فقد كانت ومنذ قديم الأزل، وما تزال فكرة البحث عن المواطن القوي الإيجابي، والشخصية السوية، هي الشغل الشاغل للفلاسفة ولعلماء النفس والاجتماع.


وفي هذا يقول المؤرخ والسياسي الفرنسي "فرانسوا جيزو" :إن العالم ملك للإيجابيين، أما السلبيين فليسوا سوى مشاهدين.
والقصد أن الأشخاص ذوي الشخصية الإيجابية هم ملوك على هذا العالم، إشارةً منه إلى أهميتها وإقبال المتمتعين بها على الحياة، حيث أن الشخصية الإيجابية كالطاقة الجبارة التي تتولد لدى الشخص وتملأ كيانه وتحدد أطر سلوكه وتصرفاته، وتجعله مندفعا ومقبلاً على الحياة محطما بذلك كل العوائق والتحديات.

وفي هذا السياق بدأت الدعوات المتعلقة لإحياء دور مؤسسات التربية المجتمعية، وعلي رأسها الأسرة، باعتبارها مصنع الإعداد النفسي والتربوي و،منبع التربية النفسية السليمة بشقيها الفردي والجماعي.
والتربية الإيجابية هي علاقة اهتمام وتمكين، تضمن سبر أغوار الفجوات بين الآباء والأبناء، وتوفر التوجيه والنصح والإرشاد للناشئة بطرق ووسائل مباشرة، وأحيانا غير مباشرة، من خلال قوالب عملية وسلوكية تضمن تصحيح المفاهيم الخاطئة مع مراعاة احتياجاتهم الخاصة بشكل مستمر وغير مشروط.
ويدرك الأهل الذين يعتنون بأبنائهم بشكل إيجابي بأنه من الصعب السيطرة على أولادهم، بصورة كاملة وإنما يمكنهم التحكم بالبيئة والمؤثرات المحيطة بهم.

وبعيدا عن المفهوم العام المطلق فإن التربية النفسية في جانبها المرضي تشير إلى تثقيف الأشخاص الذين يعانون من حالة صحية عقلية، وفي أغلب الأحيان يتضمن التدريب التربوي النفسي الأشخاص الذين يعانون من الفصام والاكتئاب واضطرابات القلق وأمراض الذهان، واضطرابات الشخصية، هذا فضلاً عن توفير الدورات التدريبية للمرضى في سياق العلاج من الأمراض الجسدية.
كما أن هذا التدريب يشمل أفراد العائلة، والهدف هو أن يتفهم الشخص المرض الذي يعاني منه وأن يتمكن من التعامل معه بصورة أفضل.
كما يتم تعزيز مواطن القوة لديه وتعزيز مهاراته في التأقلم، وذلك لاستيعاب أن الانتكاس جزء من عملية التعافي والمساهمة في تحسين الصحة والعافية على المدى الطويل.
والنظرية هي أنه كلما كان لدى الشخص قدر أفضل من المعلومات حول علته، تحسنت قدرته على التعايش مع حالته.

وتجنبا لانضمام أفراد جدد لمعسكر المرض أتصور أن للأم والأب والأخ الأكبر دورا مهما وحيويا في تحصين أفراد الأسرة، ومساعدتهم علي التعايش مع الحياة بصورة أكثر إيجابية وإنتاجا.
ومع الأسرة تأتي مؤسسات المجتمع التربوية الأخري لتهيئة الأجواء لصناعة هذا المواطن الإيجابي.

وأتصور من أهم أسس صناعة الشخصية الإيجابية تهيئة أسباب الصحة النفسية، ومن بينها وفقا لرؤية د.خالد عبده استشاري الصحة والسلامة المهنية:
-- حرية الإرادة وهنا يؤكد كثير من علماء النفس أن الإنسان حر بطبيعته وأن ممارسة الإنسان لحرية ارادته لا يقتصر على ما يدور في نفس الإنسان من رغبات، بل أيضا على المواقف كي يحقق من خلالها الراحة والهدوء النفسي.
كما أن ممارسة الإنسان لحريته تمكنه من الحصول على مزيد من الخبرة التي تمكنه من اتخاذ القرار وتجنب الصراع الداخلي، فالخبرة تساعده علي التعامل مع المواقف الصعبة التي بدورها تشعر الإنسان بالراحة والهدوء النفسي.
-- الاحساس بالطمانينة: يمكن الانسان أن يعيش حياة نفسية سليمة، وعدم الإحساس بالأمن النفسي يؤثر على شخصية الإنسان، وهو مطلب يحتاج إليه كل إنسان في مختلف مراحل عمره سواء كان صغيرا أو كبيرا، فالأمن النفسي شرط أساسي لكي يخطو الإنسان خطوات في طريق النجاح.
-- الاحساس بالأمن الاقتصادى: فمن أهم الأشياء التي تشعر الإنسان بالصحة النفسية أن يشعر بالاطمئنان حول الناحية المادية فيكون مطمئناً على حياته وعلى حياة من يعول وتوفير الطعام والشراب ومكان للاستقرار.


-- الاستقلال النفسي:
فالاستقلال النفسي من أكثر العوامل، التي تتيح للإنسان الإحساس بالثقة بالنفس وتحمل المسؤولية دون المساعدة من الآخرين والتغلب على الصعاب، التي يواجهها في حياته، وهو من أكثر العوامل التي تؤهل الإنسان لتحمل المسؤولية بكافة صورها المهنية، الأسرية، الاجتماعية، والوطنية.

والصحة النفسية بهذا المفهوم ممارسة حياتية وعلم يهدف لفهم الانسان والكشف عن أسباب التوافق الشخصي والاجتماعي
وكيفيه بنائه للشخصية على أسس سليمة، بهدف لوقايته من مظاهر الاضطراب النفسي أو العقلي.

وفي تقديري أن ثنائي التربية الإيجابية وعوامل الصحة النفسية، هي كلمة السر لبناء الإنسان العصري، فالايجابية بشكل عام تتلخص في أن يكون الشخص مبادرا صبورا، متفائلا ،وواثقا من نفسه ويفكر بالجوانب الجيدة للمواقف المختلفة بدلاً من السيئة، وأن يبحث دائما عن حلول لأي عقبات قد تواجهه، فأن تكون شخصا إيجابيا ليس فرضا أو شرطا، بل هو اختيار وإصرار.

ووفقا لعلماء النفس والاجتماع وخلاصات التجارب الحياتية، فإن الفرد يستطيع بناء وتكوين شخصية إيجابية من خلال تطوير الصفات والسمات الذاتية واستثمارها بالشكل الصحيح، فالوصول إلى شخصية إيجابية يتطلب العديد من المهارات ومن أهمها ما يأتي:
-- الدافع الذاتي: فعندما تقرر أن تكون إيجابيا يجب أن يكون هذا القرار نابعا من داخلك، عندها فقط سوف تمتلك الشغف والحماس الذي سوف يدفعك لبناء وتكوين هذه الشخصية متغلبا على أي عائق من الممكن أن يواجهك.
-- تحويل الحديث السلبي عن الذات إلى حديث إيجابي: فالحديث السلبي عن النفس يمكن أن يؤثر بسهولة، وغالبا ما يصعب ملاحظة ذلك، لأن هذه الأفكار تتحول إلى مشاعر داخلية وقد تعزز مفاهيمك عن نفسك، لذا فإن عليك أن توقف هذه الرسائل الداخلية والانتقادات عن نفسك عندما تنتبه لها وتستبدلها برسائل إيجابية، على سبيل المثال استبدل (أنا سيئ للغاية) إلى (عندما أحصل على مزيد من التدريب والخبرة، سأكون أفضل).


-- القناعة والرضا عن الحياة والاستمتاع بها: أن تكون شخصا إيجابيا لا يعني أن تكون حياتك مثالية أو خالية من المصاعب، ولكن الإيجابية هنا تكمن في النظر إلى الجانب المشرق في جميع الظروف (دائما أنظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس).
-- مواجهة الصعوبات واكتساب الخبرات: أن تكون شخصا إيجابيا يعني أن تركز اهتمامك على إيجاد الحل عند مواجهة الصعوبات، فلكل مشكلة حل، فضلاً عن الاستفادة من هذه التحديات والصعوبات فالشخص الإيجابي يحول التحديات والمصاعب، التي واجهته إلى مهارات وخبرات وتجارب يستند إليها في المستقبل ويتعلم منها.
-- التخطيط الواقعي: عندما تضع خططا لمستقبلك لابد أن تكون مبنية على أسس واقعية مراعيا فيها قدراتك ومواردك وإمكانياتك حتى لا تتسلل إليك المشاعر السلبية بعدم قدرتك على تحقيق أهداف من المستحيل تحقيقها (إذا فشلت في التخطيط فقد خططت للفشل).
-- الانخراط في العلاقات الاجتماعية الناجحة والفعالة: فعندما تحيط نفسك بأشخاص إيجابيين، ستسمع وجهات نظر وسرديات إيجابية، سوف تؤثر كلماتهم الإيجابية على تفكيرك، مما يؤثر على شخصيتك.
-- ممارسة تقنيات الاسترخاء: تعد تقنيات الاسترخاء من إحدى الطرق الفاعلة في تعزيز الصحة النفسية وتخليص الإنسان من التراكمات والطاقة السلبية التي تولدها الضغوطات اليومية، فممارسة أحد هذه التقنيات قد تجدد الروح الايجابية في النفس.

وهكذا نخلص إلي أن الشخصية الإيجابية لها مكانة مهمة وأهمية محورية في تحديد نظرة الإنسان للحياة، وفي تأمين فرص النجاح بكافة جوانبه وتحقيق الاستقرار النفسي بشكل كبير، فكن إيجابيا ومتفائلاً واستمر في الإصرار والتقدم.

وتبقي القيم الإيمانية المستقاه من تعاليم ديننا الحنيف محركا أساسيا لروح المبادرة والمشاركة، كما تجسد أدق معاني الإيجابية والحيوية والتعاون علي البر والتقوى وإعمار الحياة وغرس كل ما هو صالح ومفيد وبناء وحتي النفس الأخير في الحياة الدنيا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة