طيب القول
التوجُّه العربى نحو الشرْق عامًة، ونحو الصين خاصًة، يُمثِّل استراتيجية قوميّة تسعى لخَلْقِ نوعٍ من التوازن السياسى والعسكرى الدولى، وإيجاد كيانٍ متوازنٍ يحفظ الحقوق العربية التى انْتُهِكَت طوال عقود نتيجة الانصياع والخضوع لمخطَّطات الجبهة الغربية التى كشَّرت عن أنيابها وكشفت عن نيَّاتها الاستعمارية، بعد أن سقطت وَرَقَة التوت المزعومة مع كثرة وتكرار الازدواجية المَقِيْتَة فى المعايير خلال التعامل فى أى ملفٍ أو قضية ترتبط بالعلاقات العربية والكيان السرطانى المفروض بالقوّة على المنطقة العربية.
وثَبَت وتأكَّد الوجه القبيح لازدواجية المعايير والكَيْل بعدَّة مكاييل فى القضية الواحدة طالما كان الكيان السرطانى أحد أضلاعه، وأسقط العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزَّة مؤخَّراً كلَّ الأقنعة المزيَّفة والشعارات البرَّاقة الخدَّاعة بل الكذَّابة التى تَدَثَّرت بها هيئات ومنظّمات المجتمع الدولى الذى تَعَرَّى تماماً أمام اختبار مأساة غزَّة الإنسانية والتى مازالت مستمرة منذ أكتوبر الماضي، وسط تخاذل بل تواطؤ دولى- وللأسف الشديد- فى ظل مَوَاتٍ عربى وإسلامى!
وبنظرة سريعة على الوثائق الهامة الموقَّعة خلال الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي يتبيّن لنا هذا السعى نحو خَلْق ذلك التوازن المطلوب، خاصة في هذه المرحلة الحَرِجَة التي تمُر بها المنطقة العربية، فى ظلّ الظروف والتحدّيات المعاصرة التى تعصف بالعالم أجمع.
حيث يؤكّد إعلان بكّين- مجدَّدا- أن الصين والدول العربية ستواصل دعم بعضها البعض إزاء المصالح الجوهرية وتعميق التعاون البراجماتي، ويشرح مواقفها المشتركة عن الحلّ السياسي للقضايا الإقليمية الساخنة والحوار بين الحضارات والحوكمة العالمية.
ثانيا: خطة تنفيذ منتدى التعاون الصيني العربي خلال الفترة ما بين عامي 2024 و2026، تركِّز على إنشاء آليات للمنتديات من أجل دفع التعاون في مجالات تشمل السياسة والاقتصاد والاستثمار والتعليم والصحّة.
ثالثا: البيان المشترك بشأن القضية الفلسطينية، يُشدِّد على توافق الجانبين على دَفْعِ وقْف إطلاق النار في قطاع غزَّة وضمان المساعدات الإنسانية ومعارضة التهجير القسْري للشعب الفلسطيني ودعم عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتّحدة وكذلك العمل على معالجة مبكِّرة للقضية الفلسطينية على أساس حلِّ الدولتين.
وما يساعد على دعم هذا التوجُّه العربى شرْقاً، وبالتحديد صينيًّا، أنه يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادَل والرغبة الحقيقية في تحقيق التنميّة وتبادُل المنافع، وليس الاستنزاف والاستغلال من جانب لصالح جانب آخر.
لكن يبقى العُنصر الأهمّ على الإطلاق فى هذا التوجُّه العربى الجديد، وهو الإصلاح الداخلى العربى، بحيث تكون هناك أرضيّة عربيّة مشتركة موحَّدة، فى التعامل سواء مع الشرق أو الغرب، لأنه بدون هذا التوجُّه الموحَّد، نكون كـ"المُستجير بالنارِ من الرَمَدَاء!"، وستتكَرَّر المأساة بل المآسى العربية، فتقوية بنائِنا العربى هى الأساس لأى مستقبل ننشُدُه، فضلاً عن كون ذلك أمرًا دينياً حيث يقول الحق سبحانه وتعالى فى سورة آل عمران: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (103). فهل نحن مُتَّبِعين ولأمر ربِّنا مُنَفِّذِين؟!