أتحدث هنا عن التاجر المصرى والحيتان الكبار، لا عن باعة التجزئة الغلابة.
الواحد من هؤلاء لا يراعى أحوال السوق وتقلباته، فهو إن رفع سعر سلعة ما بسبب ارتفاع سعر الدولار مثلا، ثم حدث وانخفض سعر الدولار، تظل أسعار سلعته كما هى إن لم ترتفع، وفى النهاية يعانى من الكساد وربما بارت تجارته كلها.
إن السؤال الذى يشغل بال المصريين فى الأيام الأخيرة هو: لماذا لم تنخفض أسعار السلع حتى الآن بالرغم من الافراج الجمركى عن السلع وتوافرها فى الأسواق؟
الحقيقة أن إجابة السؤال أصبحت واضحة تماما، وكلمة السر هى جشع وطمع التجار الذين لم يتوبوا عن أفعالهم حتى مع دخولنا شهر رمضان الفضيل والذى تقيد فيه الشياطين، ولكن نفس التجار الإمارة بالسوء لم تجعلهم يتوبوا عن الاستمرار فى طمعهم وجشعهم، هم لايشغلهم لا رمضان ولا شعبان، والغريب أن أغلبهم يذهب لأداء العمرة كل رمضان.
التجار الذين كانوا يقولون إن مشكلة ارتفاع الأسعار تعود إلى شرائهم الدولار من السوق السوداء بما يتجاوز الـ 70 جنيها لم يجدوا ما يردون به على أن الدولار أصبح بـ٥٠ جنيها ومتوافر لاستيراد السلع المختلفة، ولكى يستمروا فى التحكم فى سعر السلع ومنعها من الانخفاض لجأوا إلى تعطيش الأسواق، وهذا الأمر لا يقتصر على سلعة معينة بداية من السيارات وقطع الغيار، مرورا باللحوم والدواجن، لأن هناك من يتحكم فى سوق الأعلاف التى تمثل ٨٠٪من تكلفة هذه الصناعة.
لقد وصل هذا الأمر إلى الدواء، كما أكد الدكتور حاتم البدوى، السكرتير العام للشعبة العامة للصيدليات بالاتحاد العام للغرف التجارية ، حيث قال إن شركات الأدوية تتلاعب، وتحتكر الأدوية وتمارس الضغط على الصيدليات فى محاولة منها لرفع أسعار الدواء للمرة الخامسة على التوالى.
أما بالنسبة لسوق السيارات فأصحاب المعارض يرفضون بيع السيارات بأسعار منخفضة للحفاظ على الأوفر برايس، لأن معنى انخفاض سعر السيارات طبقا لحركة الدولار يعنى حرمان أصحاب المعارض من هذا الأوفر.
التجار يعتقدون أن السيولة الدولارية الموجودة ستأخد فترة قليلة وتنتهى ولكنه اعتقاد خاطىء جدا، ويبدو أنهم يعيشون خارج الواقع، فهم لا يعرفون تقييم المؤسسات والهيئات الدولية الاقتصادية لوضع مصر الاقتصادى الآن، فالوضع الاقتصادى المصرى، يوما بعد يوم يكتسب ثقة وكالات التصنيف الائتمانى الدولية، التى تصدر بياناتها حوله، وفق دراسات مستفيضة ومحايدة لا تعرف سوى لغة الأرقام.
وليس من المبالغة فى شىء التأكيد على أن هذه الثقة وليدة الأحداث التى جرت منذ أيام، والمتمثلة فى صفقة رأس الحكمة، ورفع سعر الفائدة، وتعويم الجنيه، مما يشير إلى مرحلة جديدة إيجابية يقبل عليها الاقتصاد المصرى.
وتعد كالة موديز للتصنيف الائتمانى، واحدة من المؤسسات ذات الثقل حول العالم، ولذلك فإن أى بيان تصدره يكون محل اهتمام واسع، ومن هنا تأتى أهمية البيان الذى أصدرته الوكالة أمس الثلاثاء والذى أكدت فيه تصنيفات 5 بنوك مصرية بما فى ذلك تصنيف الودائع طويلة الأجل للبنك الأهلى المصرى وبنك مصر، بنك القاهرة، والبنك التجارى الدولى – مصر، وبنك الإسكندرية.
وكجزء من نفس إجراء التصنيف، قامت وكالة موديز بتغيير النظرة المستقبلية لتصنيفات الودائع طويلة الأجل للبنوك من سلبية إلى إيجابية.
وجاءت إجراءات التصنيف فى أعقاب قرار «موديز» بتأكيد تصنيف مصر Caa1 وتغيير نظرتها المستقبلية إلى إيجابية من سلبية.
ويعكس التغير فى التوقعات إلى إيجابية المساهمة الكبيرة للاستثمار الأجنبى المباشر، من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر مشروع رأس الحكمة والتغير الملحوظ فى السياسة الاقتصادية مع التخفيض الكبير فى سعر العملة وزيادة أسعار الفائدة.
وهناك توقعات أن يؤدى اتفاق مصر الجديد مع صندوق النقد الدولى إلى تحفيز دعم أجنبى بإجمالى 20 مليار دولار للاقتصاد الذى يعانى أزمة.
وبحسب وزير المالية محمد معيط فإن المبلغ يشمل قرض صندوق النقد الدولى الموسع البالغة قيمته 8 مليارات دولار، و1.2 مليار دولار أخرى من صندوق المرونة والاستدامة، مضيفاً أن الباقى سيأتى من البنك الدولى والاتحاد الأوروبى واليابان والمملكة المتحدة.
هذا الكلام كله يقول إن من ينتظر أن تعود السوق السوداء مرة أخرى وأن يعاود الدولار ارتفاعه، واهم، وأن ذلك بالنسبة له هو عشم إبليس فى الجنة.