رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

ما أشقى إنسان العصر، وما أتعسه في زمن المتناقضات، فرغم ثمرات الوجه المضيء لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة العصر الرقمي فائقة التطور ،لكن الرياح تأتي دائما بما لا تشتهي السفن فهناك مساويء وتأثيرات سلبية في انتظاره!.

الوجه الآخر لهذه التقنيات تحاصرها عشرات التساؤلات، ومفعمة بالضبابية والندوب والبثرات المؤلمة والثآليل المندملة، التي توشك علي الانفجار، فتكشف ما تحتويه من أضرار ومقابح.

وقد تحدثت دراسات إعلامية ومجتمعية عن حقيقة هذا الوجه المظلم لهذه التقنيات والبرمجيات العصرية الجديدة راصدة ، ومحذرة من أضرارها ومغبة الإسراف في الاعتماد عليها، والانبهار المطلق بها ،وبقدرتها الفائقة على تغيير أنماط الحياة وأنشطتها المختلفة.

كما حذرت من استمراء الاعتماد المطلق عليها علي حساب العقول البشرية، رغم ما توفره من اختصار للوقت والجهد والتكلفة، والسرعة الهائلة في تحليل المعلومات والبيانات، وتقييم الأداء، والقيام بمهام وظيفية خاصة قد يعجز الإنسان عن القيام بها، أو ربما تعرضه لمخاطر فقد الحياة. كما هو الحال في دنيا المسيرات، والكشف عن المتفجرات والمهام البحثية والجنائية الدقيقة، وغيرها.

وتأتي علي قمة المساويء صناعة "الإغتراب" بكافة صوره بما يتضمنه من أنماط قيمية جديدة كالتمرد علي الواقع، والتشكيك في الكيانات الاجتماعية، وما تعارفت عليها المجتمعات من نسق وأطر محصنة كالأسرة، والعائلة والقبيلة، وأحيانا دفع الشباب للثورة علي مفاهيم الوطن والانتماء.

كما تدعو بعض المضامين الخبيثة لرفض التراث بحلوه ومره وغرس الرغبة في العزلة وخلق قناعات استهلاكية واستحقاقات لا تتوافق مع جدارات الشباب وقدراتهم، مما قد يتسبب في خلق صدمات وانتكاسات وجدانية وفكرية، ودوامات من الصراع والمرض النفسي، والتحرر التدريجي من السياج المجتمعي والهوية الوطنية بكافة محدداتها الثقافية والحضارية.

ولعل من أسوء صور حصاده المر ، استهداف فئات متعددة من أجيال الشباب، والناشئة، والإسهام بصورة مباشرة وغير مباشرة فيما يسمي بصناعة "الاغتراب الثقافي" بفعل التكنولوجيا المقتحمة لخصوصية المجتمعات، والتي تتجاهل عن عمد، وأحيانا بدون قصد عاداته وقيمه وأحيانا معتقداته وفقا لآيات العولمة الجديدة وإعادة صياغة وجدان واتجاهات هذه الكتلة الديمجرافية الذهبية من أبناء المعمورة، تنفيذا لأغراض سياسية واستراتيجية وحضارية تدعم هيمنة القوي الغربية المسيطرة على مقدرات الحاضر والمستقبل.

ومع الحديث عن محو الأمية الرقمية وسبر أغوار هذه الفجوة، وخاصة في المجتمعات النامية والساعية، يتزايد الجدل والحديث عن مستقبل هذه التقنيات وتأثيراتها السلبية.

وبينما تطالب دراسات علمية بضرورة تضيق الفجوة الرقمية الموجودة في بعض المجتمعات، اعتبارا من نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين، إلا أن الإشكالية الأعمق من هذا هي ظاهرة "الاغتراب الرقمي"، كما سماها الباحث الأمريكي "مارك برانسكي" كظاهرة اجتماعية حديثة ظهرت في المجتمعات المعاصرة نتيجة التطور التكنولوجي، والتي جعلت الفرد غير قادر على التعامل مع الوسائل التكنولوجية الحديثة لجهله بطرق استعماله لها، أو خوفه منها أحيانا وتفضيله الطرق التقليدية في العمل على الطرق الحديثة في أحيان أخرى.

ووفقا لمؤشرات العصر يستثني شباب اليوم من مواليد التسعينيات وما بعدها من هذه الظاهرة، أو علي الأقل تقل لديهم معدلات ونسب الإصابة بالأمية الرقمية، لذلك أصبحت التوعية واجبا مجتمعيا والاهتمام بالتربية الرقمية الإيجابية بمختلف المراحل التعليمية أمرا حتميا لاتقاء شرور العصر الرقمي ومستحدثاته.

وأتصور أن هناك شقا للإغتراب الرقمي تصنعه التقنيات التكنولوجية المتلاحقة نفسها، يعاني منها من تجاوز المرحلة الأولي للاغتراب مع عدم القدرة علي التكيف والتعايش والتحصن من مضار عالم الرقمنة، والإكتفاء بالمتابعة العقيمة الصامتة، والتعاطي العشوائي والممارسة السلبية بعيدا عن فكرة المشاركة الإيجابية في صناعتها وتصميم تطبيقاتها، وتوظيفها بصورة مثالية ومتوازنة.
ومن ثم تجنب التسليم بالأمر الواقع، والخضوع لما يستهدفه المغرضون وصناع هذه التقنيات لخلق أجيال مشتتة ومجتمعات منعزلة عن الواقع وفي حالة فصام يسهل إقناعها بقيم جديدة وتغيير اتجاهاتها القيمية والعقائدية.

وأتصور أن أهم التحديات التي تواجه أبناء "الإنترنت" وأخطر الآفات والآثار المدمرة لمفرزات العقول الصناعية الموازية إحداث خلل في الوعي الاجتماعي، وفي منظومة القيم، والخصام مع الواقع وبث قناعات فاسدة وخاطئة حول مفهوم الحرية بشكل عام وحرية التعبير عن الرأي بصفة خاصة، عدم إدراك قيمة الوقت، وتشتيت الإدراك وتزييف الوعي بكثرة التعرض للرسائل السلبية والمغرضة، التي تزكي روح الإحباط والقنوط، وخلق حالة من الاغتراب النفسي، والأنامالية، وشيوع الإحساس باللاجدوى، والأخطر الفجوات الجيلية التى تتسع شيئا فشيئا بين مختلف الأجيال.
وهنا منبع الخطر الداهم، وأهم المحطات المهمة لتشخيص هذا المرض العضال.

وكلها مؤشرات لحالات التردد والقلق، والتوهان فى فضاء من الأخبار الكاذبة والمعلومات غير الدقيقة، والازدواجيات بين الخطاب الرقمى، والحياة الفعلية.
وكما يوصف الباحث الكاتب د. نبيل عبدالفتاح في مقالة له بجريدة الأهرام
بتاريخ 13 أبريل 2023 تحت عنوان:
"الاغتراب الإنساني في المتاهات الرقمية"حيث يقول إنه " اغتراب رقمى مرجعه بعض من الهذيان حينا، والانكشافات الرقمية للخصوصيات المحمولة على بعض التصنع، والتمثيل، والاستعراض، واللغو!
وفى عصر المعلومات الضخمة كل الرغبات، والميول، التى تبث على الواقع الافتراضى، وتفاصيل التفضيلات للجماهير الرقمية الغفيرة تحت السيطرة وتباع، وتشترى من قبل الشركات الكونية الرقمية الكبرى إلى الشركات، لكى تعيد تشكيل نشاطها لتلبى هذا الطلب الغلاب من التفضيلات المختلفة فى كافة تفاصيل الحياة الرقمية، والفعلية على نحو يساهم فى المزيد من التشيؤ الإنسانى المفرط، والاستهلاك الوحشى والاقتراض من البنوك!

وتابع : وتثور التساؤلات حول أثر الثورة الرقمية، والروبوتات على حالة الاستلاب، والاغتراب الإنسانى!. الحالة الاغترابية السوسيو-نفسية تشكلت تاريخيا فى ظل علاقات العمل الرأسمالية، والطابع اللاانسانى لها فى الإدراك والوعى الإنسانى للعمال.
ولاشك أن ذلك سيؤدى إلى تزايد حالة الاغتراب الفردى، والجماعى فى عالم "الاناسة الروبوتية" الذى دخلنا إلى بداياته فى سرعة مذهلة، كجزء من الرأسمالية الرقمية والروبوتية المتوحشة، بكل انعكاسات ذلك على الوجود الإنسانى، وحياتنا على كوكب الأرض.

ومابين فكرة الاغتراب مع سبق الإصرار، أو كونه مغتربا رغم أنفه، تبدو فكرة "الاختيار أو الاجبار" تائهة وضبابية، لكن الاستهلاك المفرط لتقنيات العصر يتطلب وقفات حتمية لا حدود لها،وحتي إشعار آخر!.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة