رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معًا للمستقبل

ما أكثر ما كتب عن علاقة الرجل بالمرأة، وهى كتابات ينحاز بعضها للجنس الناعم، وبعضها يرى المرأة مجرد تابع للرجل الذى يملك القوامة عليها.. وتتباين الثقافات فى نظرتها للمرأة؛ فبعضها يجعلها فى مرتبة أدنى من الرجل، وبعضها ينتصر لها على حساب الرجل.. وكلتا النظرتين تنطوى على تطرف وإغفال لحقيقة مهمة لخصها رسولنا الكريم الذى ضرب أروع الأمثلة فى تكريم المرأة ومعاملتها بالحسنى بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم».. والحق أن الرجل والمرأة متساويان فى التكليف وفى أصل الخلقة، ومن ثم فلا فضل لأحدهما على الآخر، إلا بمقدار الوظيفة الاجتماعية، بدليل أن التكليف الإلهى خاطب المرأة والرجل على قدم المساواة دون تفرقة أو تمييز بقوله تعالى فى خطاب المؤمنين: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله»؛ وهو هنا خطاب خاص بطائفة المؤمنين رجالًا ونساءً، وليس مقصورًا على الرجال وإن كان لفظ المؤمنين ذكوريًا؛ فهذه إشكالية لغوية تغلب الذكورة فى خطابها للجنسين معاً؛ فإذا كان المخاطب جملة من النساء بينهن مذكر واحد جاء اللفظ مذكرًا صريحاً لا خلاف فى ذلك.. وفى الخطاب العام يقول الله تعالى أيضا: «يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون» (البقرة)، والناس هنا تشمل الرجال والنساء.. فأى مساواة أعظم من ذلك التكليف الربانى الذى هو أساس العبادة والعبودية له سبحانه وتعالي..؟.
ويرسى النبى الكريم صلى الله عليه وسلم قاعدة اجتماعية مهمة لو عقلها أنصار المعسكرين المتطرفين؛ سواء المناصرون للمرأة على طول الخط، أو المتحاملون عليها على طول الخط ما أهدروا كل هذا الجهد سدي، تلك القاعدة النبوية قوامها: «النساء شقائق الرجال» «ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم».. هذه قاعدة ذهبية تجعل الرجل والمرأة عنصرين متكاملين، لا غنى لأحدهما عن الآخر فى عمارة الكون وبناء الأسر والمجتمعات؛ ولو أن المتصارعين على جبهات القتال بين الرجل والمرأة فهموا هذه الفلسفة العميقة والشاملة ما أثاروا كل هذا الضجيج ولأراحوا العقول والأفهام من معارك مصطنعة ضاع فى طريقها كثير من معانى الألفة والترابط والانسجام؛ فالرجل، باستثناء آدم أبى البشر، هو ابن المرأة التى حملته فى بطنها 9 أشهر، وسقتها قطرات الحياة والحياة لبناً سائغًا استهل به الحياة، واحتضنته حولين كاملين حتى أتم الفطام.. والمرأة ابنة الرجل ونطفة منه ألقاها فى رحم الأم لتخرج إلى الحياة نبتة من لحم ودم ينتسب إليه ويحمل جيناته، وهى الأخت والحبيبة والزوجة شريكة الحياة والابنة.. فكيف لعاقل أن يفرق بين الرجل والمرأة بحسبانهما خصمين متصارعين يسعى كل منهما لانتزاع حقوقه وهيمنته على الآخر..؟!
ومن أجمل ما قرأت فى حقيقة الرجل والمرأة ما كتبه المفكر العظيم الراحل د.مصطفى محمود فى كتابه «فى الحب والحياة» هذه العبارات: «الرجل بالرغم من قوته وسطوته وهيلمانه.. غلبان»!!.. إنه قوّام على المرأة، وصيٌّ عليها.. سابق عليها فى الشهادة وفى الميراث وفى الاعتبار.. امبراطور على بيتها يحكم فيه، يعز ويذل، يهدمه إن شاء بكلمة من فمه؛ و كنه يعلم أن كل هذه السطوة والسيادة خرافية !!.. وأنه إمبراطور غلبان على دولة وهمية من ورق اللعب!!
إنه - أى الرجل - فى احتياج إلى المرأة.. مهما فعل؛ وهذا الاحتياج يقلم أظافره، ويخلع أنيابه، ويروض وحشيته ويعود به وديعًا ذلولًا طيعًا حانيًا على صدر امرأته.
وماذا يجدى الصياح والصراخ والهدير والزئير، والقلب من الداخل يتمسح كالقطة..؟!
إنه فى حاجة إلى المرأة ليبنى حبًا.. فى حاجة إليها ليبنى بيتًا.. فى حاجة إليها ليكون ربًا لأسرة..»
انتهى كلام مفكرنا العظيم.. لكن الجدل فى قضايا المرأة لم ينته؛ ولا يزال البعض يجد فيه مادة خصبة للإلهاء والاستقطاب وافتعال معارك وهمية حامية الوطيس، يملأ بها الفضاء العام، ويملأ قبل ذلك العقول الفارغة، والنفوس المتعصبة، التى اختارت بفضل الرؤية الأحادية الناقصة أو المغيبة بفعل فاعل، أو الجافهلة بحكمة الخالق عز وجل، اختارت الفصل بين مخلوقين أرادهما الخالق مختلفين فى التكوين، وليس فى الغاية، لكنهم أرادوهما متنافرين متنازعين على السيادة، سيادة أحدهما على الآخر، ناسين أو متناسين أن الله عز وجل جعل الخلق كلهم زوجين اثنين متجانسين من كل نوع.. يقول الله تعالي: «ومن شيء من زوجين لعلكم تذكَّرون» (الذاريات: 49).. ومعنى الآية أن الله تعالى خلق من جميع الكائنات من جميع الكائنات زوجين، أى صنفين متقابلين، كالذكر والأنثي، والليل والنهار، والحر والبرد.. وذلك يدل على كمال قدرة الله تعالى الذى يخلق ما يشاء، فيخلق الشيء ويخلق ما يخالفه فى الصفات.. فهل بعد هذا يرى أنصار الفريقين المتنازعين على أحقية الرجل فى قيادة المرأة أو أحقية المرأة فى الاستقلال عن الرجل، أن ثمة ما يدعو لهذا النزاع الوهمى والشجار المفتعل..؟
>>>
فى أدبيات الشعراء والمفكرين والفلاسفة أقوال خالدة اختصوا بها المرأة.. نقتطف منها هذه السطور:
> «قد يكتب الرجل عن الحب كتاباً ومع ذلك لا يستطيع أن يعبر عنه، ولكن كلمة عن الحب من المرأة تكفى لذلك كله». (فيكتور هوجو)
> «المرأة أحلى هدية خصّ الله بها الرجل». (المستشرق الفرنسى ستانسلاس جويار).
> «عندما تُثقف رجلاً تكون قد ثقفت فرداً، وعندما تثقّف امرأة فإنما تثقف عائلة بأكملها». (سقراط)
> «متى أحبت المرأة حباً صادقاً تهذبت وسمتْ، واستحال عليها أن تتصور نفسها ملْكاً لغير الرجل الذى تحب، فلا المال ولا العواطف ولا أروع مفاتن الترف يمكن أن تؤثر فيها وتدفعها الى خيانة حبيبها». (إبراهيم المصري)
> «فشل المرأة فى الحب يزيد من أنوثتها وفشل الرجل فى الحب يزيد من قسوته على المرأة والمجتمع». (الحكيم والشاعر اليونانى صولون الأثيني)
> «المرأة هى أكبر مربية للرجل، فهى تعلمه الفضائل الجميلة، وأدب السلوك، ورقة الشعور». (الروائى والناقد الفرنسى أناتول فرانس).
> «المرأة أقرب الكائنات الى الكمال، إنّها وسط بين الرجل والملاك». (بلزاك).
وفى الختام فإن تاريخنا الإسلامى حافل بنساء شامخات نزل فى بعضهن قرآن يتلى إلى يوم القيامة ولا ننسى أن النبى صلى الله عليه وسلم وقبل وفاته بأيام قليلة خرج على الناس وكان مريضًا بشدة وألقى آخر خطبة عليهم فكان من جملة ما قاله وأوصى به: «أيها الناس، الله الله فى الصلاة، الله الله فى الصلاة». بمعنى أستحلفكم بالله العظيم أن تحافظوا على الصلاة، وظل يرددها إلى أن قال: «أيها الناس، اتقوا الله فى النساء، اتقوا الله فى النساء، اوصيكم بالنساء خيرا».. فأى مكرمة أعظم للمرأة من تلك الوصايا النبوية التى ترفع المرأة إلى أعلى عليين.. قبل خروج الدعوات بتحرير المرأة بأكثر من ألف وأربعمائة عام.


تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة