بالحسني
فى لحظة صدق مع النفس والتعالى عن المصالح الصغيرة وترتيب الأولويات وحساب العواقب والمآلات التى تتجه إلى ما لا تحمد عقباه، قال «المعتمد بن عباد» لنفسه وهو الفارس والشاعر وأمير اشبيلية إحدى ممالك الاندلس الإسلامية: «لأن أكون راعى إبل فى أرض العرب، خير لى من أن أكون راعى خنازير فى اشبيلية».. ثم عبر من شمال مضيق جبل طارق حيث الاندلس إلى جنوبه حيث دولة المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين وهى دولة كانت تسيطر على ساحل الأطلنطى من المغرب شمالاً حتى غانا جنوباً.
التقى المعتمد بن عباد، يوسف بن تاشفين.. وشرح له الحال الذى عليه ملوك الطوائف فى الاندلس وما ينتظر المسلمين فى هذه البقعة من العالم من نهاية وشيكة إذا ظلوا على حالهم.. فجمع يوسف بن تاشفين كبار رجاله واستشارهم، فأشاروا عليه أن يلبى استغاثة أهل الأندلس، فعبر بجيشه من المرابطين مضيق جبل طارق شمالاً لينضم لجيش المعتمد بن عباد.. وجمعت أوروبا كلها جيوشها تحت أمرة الفنسو وكانت معركة الزلاقة أكبر المعارك فى الصراع بين مسيحى أوروبا ومسلمين الاندلس، حيث انتصر فيها المسلمون بقيادة يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عباد انتصاراً مؤزراً أّخر سقوط الاندلس قرابة الـ 400 عام.. فقد وقعت هذه المعركة فى سنة رجب 479 هـ 23 أكتوبر 1086، وسقطت آخر معاقل الاندلس فى ١٤٩٢م على يد الملك فرناندو والملكة إيزابيلا.
أما سر تأخير السقوط هذه المدة الطويلة، فلأن بن تاشفين قام بتوحيد الاندلس مرة أخري، فأعاد إليها قوتها الضاربة وهى قوة حمت سقوطها هذه المدة الطويلة، التى انتهت قبيل سقوطها إلى دويلات متناحرة تستنجد بأعدائها على بعضها البعض بل تتحد مع أعدائها للقضاء على بعضها البعض ثم تتقاسم أملاك بعضها بينها وبين أعدائها حتى انتهت بسقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين.
إن الحكمة تدعو إلى أن التاريخ يجب أن يكون أهم ما نعلمه أبناءنا فى مراحلهم التعليمية كلها ليقفوا على حقيقة تاريخهم ويستخرجوا العبرة ويقيسوا أحداث الحاضر على الماضى ليتخذوا القرارات المناسبة لكل حدث فى ضوء ظروفه مسترشدين بأحداث التاريخ التى كثيراً ما وقفت فيها أوروبا ضددنا دون سبب منطقي، إلا أنها لا تريد لنا أن نحصل على حقوقنا، كما يحدث الآن فى عملية الإبادة التى تتم لأهلنا فى غزة حيث تتوحد كل أوروبا وأمريكا من أجل القضاء على قوم يدافعون عن أرضهم بأسلحة بسيطة لا تتناسب مع أسلحة عدوهم الذى يحاصرهم ويبيدهم ويقتل أطفالهم ونساءهم ويهدم بيوتهم ويقطع الماء والوقود والطعام والدواء عنهم.
إذن ادعاء الغرب بأنه يؤمن بالديمقراطية والعدالة وحقوق الانسان ادعاء لا يلجأ إليه، إلا إذا كان فى خدمة مصالحة فقد فإذا تعارضت أطماعه ومصالحه مع الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة ضرب بكل هذا عرض الحائط وأخرج الوحش البدائى الذى يخفيه وراء مبادئ لا يطبقها ولا يؤمن بها حقيقة واستخدم شرعية احط من شريعة الغاب.