بالبنط العريض
الصور ومقاطع الفيديو إلى تم تداولها من قطاع غزة طيلة الأيام القليلة الماضية تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن النظام العالمى الحالى ليس عادلا وأن الحديث عن السلام الذى يتم التفوه به أمام الكاميرات والميكروفونات فى القاعات الفخمة مجرد كلام نظرى لا يسمن ولا يغنى من جوع، فالتناقض والكيل بمكيالين هما سمة النظام العالمى الحالى، ولعل أبرز دليل على ذلك الدعم الغربى اللا محدود لإسرائيل، وعملياتها العسكرية على قطاع غزة، المخالفة لكافة قواعد الحرب والقوانين الدولية، وما صدر من تصريحات غربية داعمة لهذه التصرفات التى أقل ما توصف بأنها غير إنسانية، ففى حين تجد على سبيل المثال أصواتا زاعقة من داخل بعض الدول صاحبة حق الفيتو فى مجلس الأمن مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا ومسئولين أوروبيين يتحدثون عن حقوق الإنسان فى مناطق مختلفة من العالم ويطلبون العفو عن إرهابيين قتلة فى دول بعينها تمت محاكمتهم ونالوا حكما بالإعدام جراء ما ارتكبوه هم أنفسهم الذين لم يتحرك لهم جفنا عندما تم قصف مستشفى فى غزة وراح ضحيته 500 روح بينهم أطفال ونساء وشيوخ لا حيلة لهم، وهم أنفسهم قادة الغرب» الذين تعاملوا مع جرائم الحرب المكتملة إلى تحدث فى غزة كما لو كانت مجرد فيلم رعب وهم من هواة هذه النوعية من الأفلام!!
وهكذا ظلت قضية فلسطين منذ 75 عاما ضحية هذا الصراع بين القوى الكبرى من جانب والنفاق العالمى والازدواجية فى الأحكام من جانب آخر وظل حق تقرير مصير الفلسطينيين على مر الزمن يواجه تحديات كبرى مع استمرار احتلال الأراضى العربية وعدم احترام القوانين الدولية
السؤال الذى يطرح نفسه منذ تأسست الأمم المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية هو: كيف لا تستطيع القوى الكبرى المتحكمة فى القرار بمجلس الأمن إعلاء صوت الحق وتمكين لحظة الضرورة وترك الخلافات والتنافس جانبا وإعطاء الأولوية لمناقشة كيفية تهدئة التوترات بين الدول، ووقف الحرب المستمرة، لاسيما أن الدور الأساسى الذى تأسست من أجله الأمم المتحدة هو حفظ الأمن والسلم الدوليين، وهل من المعقول أن نكون قد شارفنا على نهاية الربع الأول من الألفية الثالثة ومازلنا نتحدث عن عدم القدرة على إنهاء الاحتلال الإقليمى، وإعطاء الحق فى تقرير المصير، والحد من ارتفاع مستوى التسلح المستمر والتخفيف من آثاره، وكبح الاتجاهات الجيوسياسية التى تهدد بزعزعة الاستقرار؟!
الحرب الدائرة فى غزة منذ أسبوعين والأرواح التى تزهق يوميا من جانب إسرائيل ولغة الصمت العالمى على جرائم القتل العمد ما هى إلا انعكاس صارخ للضعف الذى يكتنف النموذج الدولى الحالى، والدور غير الفعال للأمم المتحدة ومجلس الأمن تحديدا، لقد عاد أربعة من الخمسة أعضاء دائمى العضوية فى مجلس الأمن إلى لغة الحرب الباردة، وشهد مجلس الأمن المنوط به مسؤولية الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، غياب الحد الأدنى من المسئولية تجاه القانون الإنسانى قبل القانون الدولى، وفى حين تتطلب الصراعات السياسية تعاونا بين الدول، وجدنا تنافسا وعرقلة وعنادا والضحية دائما هى الشعوب المتضررة والتى قد يرتكب فى حقها جرائم إبادة تحت مسمع ومرأى من مندوبى الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولي!!
الحرب فى غزة والتى عجز مجلس الأمن عن إيقافها تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن النظام العالمى برمته فى حاجة ماسة للإصلاح فى ضوء الوقائع العالمية المعاصرة المختلفة، ومن الضرورى أن يتم تنشيط منظومة الأمم المتحدة بأصولها ومبادئها التوجيهية وإعادة صياغة معاييرها
الولايات المتحدة الأمريكية المتحكم الأول فى القرار الدولى وصاحبة الكلمة المسموعة لدى إسرائيل فى الأخير لم تسفر جهودها عن نتائج إيجابية تذكر لوقف هذه الحرب وإنهاء الأزمة الإنسانية فى غزة، رغم توافد قادتها بداية من الرئيس الأمريكى شخصيا ووزيريه الخارجية والدفاع إلى المنطقة، لكنها مع الأسف كانت زيارات تقدم الدعم لإسرائيل مثلما تقدمه لها منذ نشأتها، ولكن الصدمة هذه المرة كانت فى مخالفة هذا الدعم لأبسط قواعد «العقلانية السياسية»، ومعايير حقوق الانسان الدولية التى صدعنا الغرب بالحديث عنها فى بلادنا، نفس النتيجة تقريبا هى محصلة زيارة رئيس الوزراء البريطانى والمستشار الألمانى لإسرائيل.
فى رأيى أن النظام العالمى الحالى عاش خلال الاسبوعين الماضيين لحظة واضحة من الضعف تجلت أبرز صورة لها فى عدم قدرة مجلس الأمن الدولى على اتخاذ قرار يوقف الحرب فى غزة بسبب استخدام الولايات المتحدة حق الفيتو فى مواجهة مشروعات القرارات التى قدمتها روسيا والبرازيل وطالبت بوقف الحرب وانحازت الولايات المتحدة انحيازًا مطلقًا لإسرائيل
خلاصة المسألة أن اللحظة الحالية تشير إلى ضرورة إعادة النظر فى النظام الدولى ومؤسساته خاصة الأمم المتحدة وأجهزتها.