معاً للمستقبل
الرئيس السيسى يدرك أهمية الكلمة وخطورتها على المجتمع بحسبانها رسالة أخلاقية؛ ومن ثم فقد طالب أرباب الأقلام وأصحاب الرأى بأداء واجبهم الحق فى نشر الوعى الحقيقى حماية للدولة من الوعى الزائف الذى يتخذ مروجوه من الشائعات والأكاذيب سلاحاً يستهدفون به جبهتنا الداخلية، مؤكداً أن مسئولية القلم أخلاقية قبل كل شيء؛ فالإعلام وأرباب الأقلام والمذيعون يسطرون أفكاراً وآراء تشكل وعى الناس ووجدانهم وتبصرهم بالحقائق ومنظومة القيم والمثل العليا.. عندما يخلص هؤلاء تأتى الثمار طيبة تشحذ همم الشعوب وتقوى إرادتها فيتحقق التقدم والتطور والرخاء.. أما إذا تجردوا من الفضيلة وتنازعتهم الأهواء وغلبت عليهم المطامع الضيقة فإنهم يلبسون الحق بالباطل، وينشرون وعياً زائفاً ويخلقون بلبلة تفضى إلى إغراق المجتمع فى بحار الوهم والتشويش والإحباط والتخبط، وتجعله لقمة سائغة فى أفواه أعدائه، وبيئة خصبة للشائعات والوهن والانقسام والاستقطاب.. وهى الآفات التى طغت على دولنا فى أعقاب أحداث يناير 2011 بما فعله بعض الساسة ومن يسمون أنفسهم نشطاء ونفر من حملة الأقلام والإعلاميين الذين أسهموا فى حرق الوطن وتعريضه للخطر لولا عناية الله الذى جمع قلوب الناس على ثورة 30 يونيو فصححت المسار واستعادت الدولة من براثن الفوضى واليأس والحرب الأهلية التى كان يدبر لها أعداؤنا هنا وخارج هنا ومن ورائهم جماعة الإخوان الإرهابية.
الإعلامى الحق ينبغى له أن ينشر صورة مشرقة وصحيحة للدين الذى يعتنقه؛ صورة خالية من الانحرافات العقدية والعملية والأخلاقية، وأن يكون قدوة لغيره فى نشر الخيرات حتى لا يقع تحت طائلة قول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (النور:19).. ولا يخفى أن هذا من قبيل التأديب لمن سمع شيئا من الكلام السيئ ، فقام بذهنه منه شيء ، وتكلم به، واختار ظهور الكلام القبيح عن المؤمنين، وكان أولى به ألا يكثر منه أويشيعه ويذيعه بين الناس.
كثيرون لا يعبأون بأثر الكلمة وخطورتها فى صلاح العلاقات أو إفسادها، فى بناء المجتمعات أوهدمها، فى إسعادها أو تعاستها..ولا عجب، والحال هكذا، أن يهتم القرآن بأثر الكلمة الطيبة فى النفوس حتى قال فى شأنها: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ» ( سورة إبراهيم: 24).. وعلى النقيض من ذلك قال الله تعالى: «وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ» (إبراهيم: 26).. الكلمة الخبيثة تنبعث من خبث النفس، وضلال الفكر، وتكون فى باعثها آثمة، وفى غايتها آثمة فهى على عكس الكلمة الطيبة، لأنها لا تنبعث من إخلاص لله ولرسوله، ولا تكون طيبة فى واقعها، ولا فى نتائجها، وما يترتب عليها، وأوضحها الكذب، وما يتفرع عنه من الشائعات والأوهام والغيبة والنميمة وما شابه.
وقد نبهنا النبى الكريم للمقام الحسن لأصحاب الكلمة الخيرة، والمآل التعس لأصحاب الكلمة الخبيثة بقوله:» إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالاً، يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً، يهوى بها فى جهنم».
ومن روائع الأدب فى وصف دور الكلمة وأثرها ما قاله الراحل عبدالرحمن الشرقاوى فى مسرحيته الشعرية «محمد رسول الحرية».. تساءل : «أَتَعرِفُ معنى الكلمة؟..ثم يجيب: مفتاح الجنة فى كلمة..دخول النارِ على كلمة..وقضاءُ اللهِ هو كَلِمة..الكَلِمةُ نور..وبعض الكلمات قبور».
الكلمة رسالة أخلاقية؛ والقلم أمانة، يُخلّد ما يسطره المرء، ومن ثم خصّه الله بالقسم «والقلم وما يسطرون» ..به اقترن العلم واتصلت الحكمة وعلت الرسالة «اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم»..والكلمة أيًا ما تكن صورتها مسئولية ثقيلة على صاحبها، يستوى فى ذلك الصحفيون والكتاب وأصحاب الرأى والدعاة والمفكرون والنخبة والمعارضون، وكل من يملك تأثيراً على الجماهير حتى ولو على مواقع التواصل الاجتماعى التى استحوذت على عقول الناس واهتماماتهم.
وليس القلم وظيفة أو أكل عيش بل رسالة سامية تبنى الوعى الحقيقى وتحارب الجهل وتحمى الهوية وتحرس العقيدة والأخلاق.. فإذا كانت قدمك تترك أثراً على الأرض فإن كلمتك تترك أثراً فى القلب والعقل والوجدان.
الإعلام يتحمل أعباءً جسامًا فى حياة الأمم؛ خصوصًا فى أوقات التحول والتحديات؛ يصوغ الأفكار والتوجهات ويأخذ بزمام الرأى العام..وعلى الإعلامى تقع المهام الثقال فى تصحيح الصورة وإيقاظ الهمة وتبصير الوعي، فالله تعالى يقول «يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين» (التوبة:119).. وهو ما دعانا إليه رسولنا الكريم بقوله: «إن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا».
مصلحة المجتمع ينبغى أن تكون حاضرة دائمًا فى ضمير الإعلامي، وتزداد الأعباء إذا ما تعلقت بشواغل الأمة وقضاياها وشئونها الكبري؛ فليس كل ما يعرف يقال ولو كان حقاً وصدقاً ..وإلا ما قال الله تعالي: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا» (النساء: 83).
خطورة الكلمة ليست خافية وإذا كان البعض لا يستشعر تلك الخطورة فلا أقل من استحضار ما دار من حوار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل الذى قال : «يا نبيَّ اللَّهِ ، وإنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فقالَ : ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا معاذُ ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ فى النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم» .
وما قال رسول ذلك إلا لأن حصائد الألسنة والأقلام قد تكون وسائل بناء أو معاول هدم للمجتمعات؛ فالفتنة أشد من القتل وأكبر وهو ما أكدته أبحاث كثيرة أجراها غير مسلمين ؛ ومن ثم أمرنا الله تعالى بانتقاء كلماتنا فهى مفاتيح القلوب حتى لا نؤذى بها أحدًا:» قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (البقرة:263) وقال تعالي: «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» (الحج:30) « كما أمرنا سبحانه بلين القول وطيب الكلم بقوله :» ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل:125) وذلك حتى نحدث أثراً طيباً فى النفوس تأتلف به القلوب وتلتئم به الصفوف وتتحد به الكلمة وحتى نعطى للآخر صورة صحيحة عن الإسلام..ولمَ لا وقد أمر الله نبيه موسى وأخاه هارون بأن يلينا الكلام لفرعون بقوله تعالي:» اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (طه 43،44).
ما أوردناه سلفاً يدلنا بوضوح على أن للكلمة الطيبة تأثيراً لا يعدله تأثير، ومن ثم قدمها الله على الصلاة والزكاة فى قوله تعالي: « وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (البقرة:83) كما جعلها رسول الله صدقة لقائلها بقوله « الكلمة الطيبة صدقة»..فما من كلمة يصدرها الإنسان إلا وتترك أثراً فى متلقيها لا يزول بمرور الزمن وهى إما أن تكون سبباً فى شقاء الإنسان أو سعادته وربما تكون أكثر إيلاماً من العقاب البدني؛ ولهذا وجب الحرص على ترك أثر طيب فى نفوس الآخرين وعقولهم؛ فلا ندرى لعل كلمة طيبة تكون سبباً فى دخول صاحبها الجنة