رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام

لا يزال الجدل مشتعلا حول تدين الفضاء الإلكترونى وحمى التدوينات والرسائل الدينية التى تملأ الساحة بصورة غريبة وعجيبة.. دعوات وفتاوى وحكم ومواعظ وأمثال وقصص من التراث بعضها صحيح وبعضها مدسوس لا تعرف لها رأسا من قدمين.. فوضى عارمة..
استفزت البعض.. وحبذها آخرون.. وتوقف أمامها الكثيرون إما تأملا وفحصا أو دراسة وتحليلا.. حالة لا يمكن إنكارها فرضها واقع التطور التكنولوجى المعاصر والتطبيقات السهلة والمغرية على وسائل التواصل الاجتماعى.. أصبح الدين فيها محورا رئيسيا لا يمكن غض الطرف عنه بعد أن صك الخبراء مصطلحات جديدة وثيقة الصلة بما يحدث على ساحة الفضاء الإلكترونى حتى ولو كانت غير دقيقة.. الا أننا أصبحنا أما مسميات من قبيل التدين الرقمى أو الالكترونى او التدين السيبرانى أو دين الانترنت.. او دين الإعلام الجديد.. او التدين الافتراضى وغير ذلك من مسميات يستخدمها باحثون ومراقبون للظاهرة المتصاعدة والمتنامية.. وفقا لتوصيف المحتوى الدينى على الشبكة وغيرهما من المصطلحات التى عكس محتواها نوعًا جديدًا من التدين لا ينتمى بشكل كامل للعالم الواقعى . . ولا شك ان ارتباط التدين بالبيئة الرقمية أدى إلى خلق أشكال جديدة من التصورات حول الممارسات الدينية أو الدين عموما بعضها مثالى متفائل وبعضها الآخر متشائم وبعضها الثالث خيالى غير أ ن هذه التصورات تتفق على أن البيئة الرقمية الافتراضية خلقت أشكالًا جديدة من الممارسات الدينية المتحررة من أنماط التدين التقليدية وقيوده..
اللافت للنظر تعاظم حالة التدين الفردى ولجوء أفراد بأعداد كبيرة إلى الفضاء الإلكترونى تبثه رسائل دينية متنوعة حتى ولو لم يكن لهؤلاء علاقة بأى نمط من التدين.. إلا أنه غارق فى تلك الرسائل التى تملأ الساحة ليل نهار وتزداد المساحة يوميا وأصبح هناك متخصصون فى تصميم وإعداد الرسائل والأدعية والاقوال المأثورة لتناسب كل موقف أو أى حالة يمر بها الإنسان فرح حزن قلق توتر أو كل ما يعترى النفس من مواجيد وغيرها..
سألنى بعض الأصدقاء الممتعضين من الظاهرة ألا يعد الاستغراق فى هذه الحالة نوعا من الرياء او النفاق ؟ وماذا نفعل هل نكشف الأشخاص الذين تلبسوا بحالة التدين الفضائى فقط ونطالبهم بأن يكونوا كذلك على أرض الواقع ام نفعل كما النعام ندفن رءوسنا فى الرمال؟!
قلت.. المسألة اهون من ذلك بكثير.. اذ يمكن اعتبارها نوعا من التعبير عن قلق ما او رغبة فى التنفيس او الهروب من شيء ما ولا علاقة لها بالرياء او استعراض العضلات الدينية او النفاق.. وإذا كان الأمر كما تقولون فلماذا لا نعين اصحابها على التوجه الصحيح.. ندعمهم فى حال عدم التجاوز أو الوقوع فى محظور.. فربما كانوا يمرون بحالة قلق ويرغبون حقيقية أو يتطلعون إلى أن يكونوا على الصورة التى يرسمونها أو يصدرونها للآخرين على الفضاء الإلكترونى وبالتالى ننتشلهم من ورطة ألمت بهم ونشد عضدهم نحو النور ليستعيدوا توازنا مطلوبا دنيا وآخرة..
وتذكرت تصرفا وقولا حكيما للعلامة الكبير الشيخ محمد الغزالى رحمه الله تعالى رحمة واسعة حين سئل عن كيفية التعامل مع الشاب الذى لايصلى.. فقال للسائل على الفور حكم هذا أن تأخذه فى يدك إلى المسجد.. ولم يقل قاطعوه أو ارجموه أو كفروه.. لكن خذوا بيده إلى الطريق الصحيح وادعموه وأعينوه..
فهذا النوع من التدين الفردى يحتاج فى كثير من الأحيان إلى إصلاح والى تصحيح أو تعديل مسار إذا ما انحرف عن الجادة لتستقيم الأمور بسهولة ويسر بعيدا عن اختلاق معارك وهمية وتصنع بطولات لا تغنى ولا تسمن من جوع..
وهنا من الاجدى البحث عن طريقة للحد من فوضى النشر بعلم وبغير علم وهو ما يعنى خلق حالة لتعليم الشباب وغيرهم كيفية الاختيار للمادة وضرورة الاعتماد على مصادر موثوقة للمعلومات والبعد عن كل ما يثير الفتنة أو يفتح أبواب السفسطة والجدل العقيم.. ولا بأس ان يشارك فى العملية علماء ثقات وشباب الدعاة على الأقل لتقديم نماذج يمكن ان يلتمس الشباب منها واليها طريقا.. مع الحذر التام من المتسللين إلى ساحة الفكر الإسلامى عموما والذين يجدون فى مثل تلك الأجواء التى تتمتع بسيولة كبيرة فى المعلومات والنشر على نطاق واسع فينشرون سمومهم ويزينون باطلهم ويلبسون حيلهم وخدعهم ثوب الحق وهو منها ومنهم براء..
استوقفتنى دراسة مهمة أو بحث عن التدين على مواقع التواصل الاجتماعى للدكتور حسام الهامى تم على إثرها ترقيته لدرجة أستاذ مساعد بقسم الإعلام والعلاقات العامة، كلية الآداب والعلوم بالجامعة الأهلية.. قام فيها بتحليل خطاب لعينة من المنشورات الدينية الإسلامية على موقع «فيسبوك».. ومن خلال التحليل توصل البحث إلى مجموعة من النتائج والخلاصات والتفسيرات المهمة على النحو التالي:
على صعيد الموضوعات الرئيسية التى تشتمل عليها المنشورات الدينية بينت نتائج التحليل أن موضوعين رئيسيين كانا يحتلان الترتيب الأول وهما «الدعوة إلى حسن الخلق والتمسك بالقيم والدينية وحسن العبادة» و»التوجه إلى الله بالدعاء والرجاء». . فيما يتعلق بتحليل الفكرة الرئيسية أو المحورية فى خطاب المنشورات الدينية على «الفيس بوك اوضح التحليل أ ن تلك الأطروحات يتصدرها التوجه لله بالدعاء والرجاء،ما يمكن تفسيره بأن خطاب المنشورات الفيسبوكى هو فى جانب منه خطاب إلتجائى يتوجه خلاله المستخدم نحو الإله أو الذات الإلهية بالدعاء والرجاء .اى أن صفحات «الفيس بوك» توظف دينيًا كساحة أو مساحة لبث الرجاء والدعاء لله ولكن مع ملاحظة أن ذلك يتم فى حضور الآخرين وفى ظل دعوة مبطنة أو ضمنية لمشاركتهم للفرد أو فيما يمر به من أزمة مع الذات أو الواقع دعته لبث هذا الدعاء أو الرجاء. يلى ذلك بفارق ملحوظ عن الأطروحات التى تركز على جانبين قريبين أولهما «الحث على حسن العبادة والتعبد أو ممارسة الشعائر والعبادات»، ثم الأطروحات التى تركز على «الدعوة لمكارم الأخلاق وحسن الخلق».
ويفسر الدكتور الهامى إرتفاع نسب هذه الأطروحات بأنه أمرٌ مرتبط برغبة الفرد فى ممارسة دور إصلاحى فى الواقع عمومًا وأحوال المتدينين على وجه الخصوص عبر الحث على حسن التعبد وحسن الأخلاق، كما يشير من جانب آخر إلى ملمح دينى كامن فى العديد من الديانات، ومن بينها الدين الإسلامي، وهو أ ن الحث على الاستقامة وحسن الخلق وممارسة الشعائر والعبادات يعد فى ذاته من الواجبات الدينيةأو من قبيل العبادات.
وعن طبيعة الرسائل الاتصالية الدينية المنشورة تصدرت نصوص الدعاء والرجاء أيضًا مجمل المنشورات يلى ذلك فى الترتيب ما يمكن أن نسميه «استلهام المقدس»، بمعنى استلهام وإيراد واستدعاء نص تراثى أو نص مقدس أو نص دينى مأثور. . واكدت النتائج أن بث الدعاء لله عز وجل عبر صفحات التواصل الاجتماعى ظاهرة تتكرر بصورة لافتة فى مختلف أجزاء هذا الخطاب. وارجعها الباحث إلى عدة تفسيرات إذ يحمل الإكثار من نشر الدعاء على مواقع التواصل جانبين نفسيين: أولهما الرغبة فى التواصل مع الذات الإلهية، حيث يشكل الدعاء بعد الصلوات السبيل الثانى للحديث الإنسانى للذات الإلهية.
الثانى شعور الذات بافتقاد شئ ما فى الواقع وشعورها بالعجز إزاء تحقيقه، فتتوجه للذات الإلهية بالدعاء لتحقيقه. ووفق تفسير آخر يمكن النظر لذلك المسلك على أنه محاولة من الفرد لنشر وبث شكايته ومعاناته وانشغالاته ورغباته وتطلعاته للآخرين بشكل غير مباشر، فالدعاء على صفحات التواصل الاجتماعى هو بث شكوى إلى الله، ولكن بثها فى العلن. فلو أن الفرد يريد أن يبث هذه الشكوى لله وحده لسلك مسلكا آخر مسلك المناجاة الفردية للذات الإلهية ولكن الفرد حين يبث هذه الشكوى عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعى فهو يشير للآخرين عن همومه وانشغالاته الشخصية إلى جانب الدعاء .
وهنا يمكن تفسير السلوك الاتصالى لمستخدمى التواصل الاجتماعى عند كتابة المنشورات الدينية بأنه شكل من أشكال الالتجاء إلى الكتابة للتغلب على القلق النفسى وإفراغ النفس من الهم والحزن وتخفيف الضغوط النفسية ويكون اللجوء للدين هنا أمرًا منطقيًا كونه يشكل ملاذًا أساسيًا ودعوة للتغلب على الحزن واستعادة حالة الرضا فالفطرة الإنسانية تنظر إلى الله بوصفه يشكل الملاذ والملجأ عند الشعور بالهم والحزن فى لحظات العجز أمام الواقع. والدليل العلمى على ذلك أن الذات الإلهية كان لها حضور طاغى فى فئة المخاطب أو الموجه له الخطاب كما أوضحت النتائج الكمية فى موضع آخر.
إذن فان فقدان شيء فى الواقع يجعل البعض يلجأ إلى الدين للاتكاء عليه لمخاطبة الآخرين به وإشعارهم بعمق الأزمة التى يمر بها وبأنه لجأ للدين لحلها فقد لوحظ أ ن الدين والتدين هنا هو وسيلة لبث الصبر فى أنحاء الذات التى تشعر فى أعماقها بقصور الواقع عن تحقيق تطلعاتها، فيلتجأ الفرد إلى الدين لبث الصبر من جانب، واليقين من جانب آخر.
وعلى ذلك يمكن القول بأن الأفراد على مواقع التواصل الاجتماعى قد يعمدون إلى اتخاذ الدين والتدين كوسيلة لحل مشكلات الواقع الاجتماعى والسياسى وإعادة طرحه وفق تصورات الذات التى تحاول أن تتوسل حل مشكلات الواقع عبر الدين والتدين وبث الأقوال الدينية.. كما يتحول الدين من جانب آخر والخطاب الدينى إلى آلية لبث الصبر والاحتمال وبث الأمل فى النفس برجاء المثوبة على هذا الاحتمال من الإله.
ولاحظ الباحث أن الخطاب الدينى للمنشورات هو فى جانب منه خطاب يهيمن عليه ملمح صوفى يتجه أو يميل نحو الزهد فى الدنيا والتعلق بالإله، والسعى إلى الإرتباط به وإفراغ القلب له.. واستدرك الباحث بطرح سؤال مهم: هل يحدث ذلك فعلا عن قناعة شخصية؟ أم يأتى يأسًا من الحياة ومشكلاتها وعجزًا عن مواجهة المصاعب التى تواجه الفرد فيها؟
اجاب بالقول هذا ما لا يستطيع البحث الإجابة عليه وربما يختلف هذا الأمر من فرد لآخر.
من سمات وملامح خطاب المنشورات الدينية أيضًا أ نه خطاب تهيمن عليه فكرة النصح والوعظ والتبليغ بالدين وهداية الآخرين وحثهم على حسن العمل.. مسلكٌ لا يمكن رده إلى محاولة الفرد لنيل رضا الله فقط، بل هو منزع نفسى يهدف بقدر ما إلى إرضاء الذات عبر محاولات جاهدة يبذلها الكثيرون من المتدينين وغير المتدينين لحمل الآخرين والدفع بهم دفعا نحو ما نعتقد أنه صواب.
الدراسة والتحليل مسألة مهمة للغاية للمساعدة فى وضع خطة واستراتيجية التعامل مع الظاهرة وتعظيم إيجابياتها والحد من الآثار غيرالمرغوب فيها الآن ومستقبلاً..
والله المستعان..


تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة