لحظة تمرد
منذ فتره وأنا أعيد اكتشاف ابداعات الصديق الراحل الكاتب العبقرى اسامه أنور عكاشه الذى أسس ماأطلق عليه بسببه "الأدب التليفزيونى" بعد الزخم الهائل الذى أحدثته أعماله الدراميه فى المسلسلات التليفزيونيه
واذا كان نجيب محفوظ قد رصد المجتمع المصرى فى أعماله الروائيه وجاء بعده من جاء، لكنه بلا شك عميد الروايه العربيه
وأقولها بلا مواربه ان اسامه انور عكاشه هو عميد الدراما التليفزيونيه ، أو عميد الأدب التليفزيونى حتى وان كتب للسينما والإذاعه
من منا ينسى : درة التاج كما أعتقد ليالى الحلميه بالاجزاء الخمسه ، وأدرك شهريار الصباح وأنا وإنت وبابا فى المشمش،والحب و أشياء اخرى والراية البيضا ووقال البحروريش علي مفيش ولما التعلب فات والحب و أشياء أخرى وعصفور النار ورحلة ابو العلا البشري وابو العلا البشري 90 ووما زال النيل يجري وضمير أبلة حكمت و الشهد والدموع و أرابيسك و المشربية وزيزينيا ... الخ
لكن بعيدا عن هذا الابداع المتدفق الذى تابعه الملايين تذكرت حكايه من مئات الحكايات معه
ذات يوم وكنت مشرفا على باب نادى ادباء الأاقاليم بعد استاذى الشاعر محسن الخياط الذى عملت معه عدة سنوات حتى توليت المهمه بعد رحيله ولها حكايات كثيره يمكن ان يروى بعضها
المهم وبدعم الاستاذين محفوظ الانصارى ومحمد ابو الحديد تحول ركن أدباء الاقاليم من ربع صفحه فى العدد الأسبوعى للجمهوريه الى ملحق كامل أمتد الى الصفحة الأخيره التى خصصتها لنشر روايات وقصص قصيره نشرت فيها الى جانب أدباء مصر الكبار روايات وقصص بعض أدباء الأقاليم وبعضهم كان ينشر لأول مره من اصحاب المواهب التى لا تقل فى روعتها عن ابداعات الكبار و تفوق بعضها عن ابداعات بعض الأسماء الرنانه
المهم واثناء حوارتى مع رموز الأدب فى مصر عامه والاقاليم على وجه الخصوص قررت اجراء حوار مع الصديق اسامه أنور عكاشه وبعد الأسئله التسخينيه فاجأت الاستاذ اسامه بالسؤال القنبله الذى جعله يصمت لفتره مرت كالدهربيننا حين قلت : أنت تركت الأدب والقصه والروايه من أجل عيون "فلوس "المسلسلات التليفزيونيه والأفلام السينمائيه وعالم الشهرة والنجوميه ؟
وبحزن شفيف بعد أن دهمه سؤالى قال : حرام عليك يايسرى .. أنا لم أغادر عالم الأدب والقصه التى بدأت فى الستينات بالمجموعه القصصيه خارج الدنيا عام 1967 ثم خارج الدنيا سنة 1967 وروايه أحلام فى برج بابل سنة 1973 ومقاطع من أغنية قديمة (1985)
قلت : ونحن فى عام 2000 ؟!
وأترك الحكايه يرويها الاستاذ اسامه كما قدم بها روايه منخفض الهند الموسمى عند نشرها فى كتاب الجمهوريه بعد نشرها مسلسله عن قصه اعادتى له الى عالم القصه والروايه ليصدر بعدها عدة روايات نشرت جميعها هنا فى العدد الاسبوعى للجمهوريه رغم محاولات العديد من الجرائد المنافسه نشرها ، ففضل الجمهوريه وكان يقول دائما الفضل يرجع ليسرى السيد الذى اعادنى للكتابه الادبيه وللجمهوريه التى تنشرها بحرفيه ومهنيه لا أجدها فى اى مكان .. وهذه تفاصيل توريطى لكاتبنا الكبير كما يحكيها بقلمه البديع وبسيناريو وحوار وقص رائع فاجأنى به عند نشرها فى مقدمه الكتاب الذى حمل بين دفتيه الروايه ...يقول اسامه أنور عكاشه :
" ذات مساء من شتاء هذا العام أغلب الظن في اواخر يناير عام 2000 أتصل بي هاتفيا الصحفي والكاتب الشاب يسري السيد المحرر بصحيفه الجمهوريه" العدد الاسبوعي " وسألني فيما بدا لي ساعتها مناقشه صحفيه معتاده عن أعمالي الدراميه بالتلفزيون ولا أذكر كيف تطرق بنا الحديث الى تساؤل منه عما أذا كان الحنين لا يراودني الى زيارة أرض الوطن الأول أرض الأدب المقروء .
يعرف يسري كما يعرف كثيرون غيره انني ظللت على مدى 16 عاما منذ أول الستينات وحتى ثلث السبعينات الأخير أكتب القصه وكنت واحدا من المتعبدين في محراب الادب المقروء..
يعرف يسري كما يعرف كثيرون غيره انني ظللت على مدى 16 عاما منذ أواخر الستينات وحتى ثلث السبعينات الأخير أكتب القصه وكنت واحدا من المتعبدين في محرابها في محراب الأدب المقروء حتى هاجرت الى أرض الدراما والأدب المرئي... فسؤاله اذا يلامس عصبا حساسا في أعماقي لأنه يشير الى الحب الأول واجبته حين سأل بأنني أتمنى أن أفرغ لكتابه روايه يتقلب موضوعها كالجنين
في رحم أفكاري منذ سنوات تكاد تبلغ عقدا كاملا ، وأنني في شتاء كل عام أتعهد أمام نفسي بأنني سأخصص الصيف القادم لكتابه الروايه ولن أكتب فيه للتليفزيون وينتهي الشتاء ويدبر بعضه الصيف وأنا أدور في طاحونة الارتباطات والتعاقدات والالتزامات التلفزيونيه حتى بدأ التفكير في كتابة الروايه وكأنه انشغال للسراب ...
ولم يتركني يسري فعاجلني بسؤال أخر عن امكانيه أن أكتب ولو فصلا أول في تلك الروايه ينشر في الملحق الأسبوعي فربما أستطاع أن يربطني بالتزام تجاه قارئ الجريده ويدفعني لمواصله الكتابه ...
وقلت له ربما سأفكر
أدرك يسري بذكاء شديد ان أجابتي تمهد للهروب ، ولكنها تشير في الوقت ذاته الى رغبه حقيقيه في خوض التجربه والمسأله تحتاج الى دفعه تدفعني الى البحر ثم تتركني لاعوم... و....
وأفاجئ بعد ذلك بيومين بخبر يتصدر عدد الجمهوريه الاسبوعي ينهي الى القراء خبر روايه أكتبها خصيصا للصحيفه وتنشر حلقاتها أسبوعيا وذلك بدءا من العدد القادم
وأسقط في يدي ووجدتني أردد عبارة طارق بن زياد : العدو أمامكم والبحر من خلفكم.. فأين المفر ...سبق السيف العزل... ولابد من قبول التحدي ...
لم يكن التحدي أن أثبت للأخرين شيئا ولم يكن أن أفي بالتزام ورطنى فيه يسرى السيد أمام قراء الجمهوريه ..
كان التحدي الحقيقي أن أثبت لنفسي قبل غيري ان قلمي الذي أبتعد 20 عاما عن القصه والنص الروائي لم يعقم ولم يغترب وانه ما زال قادرا على أن يخوض به تجربه مغامره روائيه أحلم بها منذ سنوات وكتبت الروايه.. كسبت السباق الزمني ....
أما عن التحدي فللآن لا أعرف... تجربتي خرجت من أعماقي وأصبحت ملكا للمتلقي والناقد وهما وحدهما يستطيعان ان يصدرا الحكم
والآن.... ذا كان في هذه الروايه ما يمكن ان يوضع في خانه ايجابيات فالفضل فيه يرجع الى جساره يسرى السيد ومبادره الجمهوريه فى نشرها وانا مدين بالكثير لكل من أزرني وأسهم بجهد معي في هذه الروايه وعلى رأسهم من تصدى لنشرها فى كتاب الجمهوريه الاستاذ سمير رجب والاستاذ محمد الشرقاوى
شكرا ليسري السيد وللفنان الجميل الفرماوي والجميع محبتي ..وللحكايات بقيه
[email protected]