لحظة تمرد :
هل كان أديبنا الكبير عباس محمود العقاد يعانى من الازدواجية الفكرية ؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نسلم فى البداية أنه آن الآوان للمناقشة الموضوعية لنتاج رموزنا الإبداعية والفكرية و بعلمية بحتة وفى الإطار الزمنى والتاريخى لانتاجها ... وتكون الحيادية بطبيعة الحال هى عمادها الأساسى ، وفى مقدمة هؤلاء عملاقنا عباس محمود العقاد خاصة ونحن نحتفل به كل يوم ونحن نقف باجلال امام عظماء الابداع المصرى والعربى والحضور المتجدد بيننا .
فى البداية أفكر بصوت مسموع واتمنى أن يقام حوار نقدى جاد حول بعض ما أطرحه فى هذا المقال وهى بمثابة عناوين لجدل واسع اتمناه .
أنا مثلا وليعذرنى العملاق فى مرقده أرى الكثير من المواقف المتناقضة التى شابت نتاج العقاد ، بل وتتسم بالازدواجية الشديدة فى الكثير من هذه المواقف النقدية والإبداعية والسياسية له .
• البداية الساخنة كانت للعقاد بمحاولة هدم المنجز الشعرى لأمير الشعراء أحمد شوقى من خلال محاولة العقاد القوية للثورة على الأدب التقليدى ، ورفع معه كل من عبد الرحمن شكرى وعبد القادر المازنى معاول الهدم فى الكتاب الشهير " الديوان فى الأدب والنقد" .. وهو ما عرف فيما بعد بمدرسة الديوان ،
وطبعا كان أمير الشعراء هو أكبر الأصنام بالنسبة للدين الجديد الذى يحاول تحطيمه ويشير العقاد لذلك بقوله : لم يكن أدبنا الموروث فى أعم مظاهره إلا عربيا بحتا ، يدير بصره إلى عصر الجاهلية ، وقد مضى التاريخ بسرعة لا تتبدل ، وقضى أن تحطم كل عقيدة أصناما عُبدت قبلها !!
وأنا اتفق مع ما ذهب إليه العقاد بأنه لابد لكل مبدع أن يعبرعن عصره ولا يظل أسيرا لماض افل أو يكمن ويسكن فى كتب التاريخ فقط ولا علاقة له بالواقع المعاش ..
لكن ماذا فعل العقاد ؟، ولن أقول أقرانه شكرى والمازنى اللذان اعترفا فيما بعد بأن كلامهما عن أمير الشعراء كان بحثا عن مكانة فى الحياة الأدبية بلفت الأنظار بالضرب بقوة فى إبداع شوقى ..
و لو اكتفى العقاد بالإطار النظرى الذى هاجم به شعر شوقى ، كنا قد صفقنا له ، انطلاقا من رؤيتنا جميعا بمناصرة التجديد والثورة على القديم حتى يولد الجديد الذى نحلم به رغم أن أى إبداع جديد لايعنى قتل من قبله ، لأن الفنون تتجاور ولا يقتل كل منهم الآخر.
لكن إصرار العقاد أن يطرح البديل الشعرى من خلال إبداعاته ضرب مقصده النقدى فى مقتل رغم أنه لم يكن مطالبا بذلك خاصة وأن النموذج الغربى كان جاهزا وأفضل مما قدم العقاد بمراحل ... المهم يبقى السؤال لماذا جاء البديل الشعرى العقادى متهاوى بجوار الصرح المسمى بالشوقيات ؟
لأن شعر العقاد إذا ما قورن بإنجاز شوقى الشعرى ، مجرد هامش فى متن كتاب ضخم ، فإذا كان شوقى يتسم بالتقليدية من وجهة نظر العقاد ، فإن حجم وكثافة الشعور والمشاعروالصور والأخيلة وكافة المفردات الشعرية التى تحكم على شاعرية شاعر إذا ما قورن بآخر تجدها عند شوقى إذا ما قورنت فى أشعار العقاد كمن يقارن الخليج بالمحيط ، والبحر بالترعة ،
والشعر عند العقاد اذا ما أطلقنا تجاوازاعليه مصطلح "الشعر" فى مجمله تغلب عليه الذهنية والنظم ، وهو ما يتعارض مع غلبة الشعور والانفعال والعواطف فى الفن الشعرى ..
باختصار شوقى كما آراه شاعرا بغض النظر عن إمارة الشعر أو غيرها من مصطلحات غير فنية ، والعقاد لايزيد عن كونه ناظما للشعر ، فالشعر الحقيقى فى إبداع العقاد قليل ، والعكس ، بل أقولها بفم مليان لايوجد وجه للمقارنة مع شعر شوقى ...
الخلاصة هنا أن العقاد طرح الإطار النظرى ضد شوقى وأصرّ على طرح البديل الشعرى ، لكنه فشل شعريا وتخلى عنه أقرانه شكرى والمازنى فى الإطارالنقدى النظرى إذا ما اعطينا أذنا لتبريراتهما بالبحث عن مكانة بالهجوم على شوقى .
ومن الطريف أن ما يطرحه البعض بأن د. طه حسين قد منح إمارة الشعر للعقاد بعد رحيل شوقى أقول ، طه حسين كان من الدهاء اللغوى الذى جعله يفلت من بطش العقاد بقوله : « ضعوا لواء الشعر في يد العقاد وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء فقد رفعه لكم صاحبه »
يعنى لم يقل طه حسين أمنحوا إمارة الشعر للعقاد ، لكن ضعوا الراية فى يده ، وقد يزيد خبيث على قول عميد الأدب العربى : حتى يأتى شاعر آخر يستحق الإمارة ..
المهم كما ذكرت من قبل الإمارة والملكة لايمنحها إلا الشعر والإبداع لصاحبها ، فالمتنبى هو الملك الذى لم يتوجه أحد بتاجها سوى شعره !!
ومع ذلك تبقى الأسئلة مشروعة ...فإذا كان العقاد ثائرا ومجددا ومعجبا بل أنه مبشرا ومحرضا ومقتفيا أثر المدرسة الرومانسية الغربية والإنجليزية على وجه الخصوص ، بل وإتخذ من مشروعها الفكرى متكئا لضرب أشعار شوقى مثلا يبقى السؤال:
• لماذا وقف بحدّة أمام الشاعر الرقيق إبراهيم ناجى أحد أعمدة مدرسة أبولو الرومانسية الشعرية حين صدر ديوانه الأول وهاجمه بعنف غير نقدى للدرجة التى وصف مشاعر ناجى فى الديوان بمشاعر ودموع المرأة الضعيفة ، ولم ينقذ ناجى منه إلا مقال طه حسين بأن شعر ناجى يشبه موسيقى الغرفة الهادئة التى تستلزم معاييرا نقدية وأسلوبا للتلقى يختلف عن سابق الشعر .
والغريب هنا أن العقاد المنحاز إلى رومانسية الغرب وقف بعداء شديد ضد كلاسيكية الشعر التقليدى وقف بصلف وعدائية مع بوادر ظهور هذا الاتجاه على يد إبراهيم ناجى وأقرانه !!
• النقطه المهمة والقضية الأخطر أيضا أن موقف العقاد الصلد الذى وصل إلى حد نفى الشاعرية عن أصحاب إتجاه جديد فى الشعر... أقصد طبعا ماحدث مع صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى حين ظهرا مع أبناء القصيدة الحرة ، أو قصيدة التفعيلة وأحال العقاد قصائد هذا الإتجاه الجديد إلى لجنة النثر، وكلنا رأى بعد ذلك مدى سيطرة وبزوغ ورسوخ هذا الإتجاه حتى الآن ..
وأنا هنا لا أُهاجم موقف العقاد بشكل مطلق لكن أتساءل : إذا كان العقاد قد بدأ ثائرا ضد التقليدية فى الشعر العربى فلماذا وقف ضد ثورة الشباب على هذا الشعر التقليدى بطرحهم بديل جديد لشكل ومضمون القصيدة العربية التقليدية ؟
ولماذا وقف العقاد ضد التجديد الشعرى الذى طرحه الشباب آنذاك رغم أنه مستمد من النموذج الشعرى الغربى الذى بشر به العقاد من قبل فى مواجهة شوقى
و إذا كان للعقاد المبرر الموسيقى برفض موسيقى التفعيلة المستترة مع موسيقى الخليل بن أحمد الظاهرة وبقوافيها المجلجلة .. لماذا وقف العقاد ضد التجديد الشعرى الذى طرحه الشباب مثلما فعل مع إبراهيم ناجى من قبل فى المدرسة الرومانسية رغم أنه احتفظ بموسيقى القصيدة التقليدية رغم تغلبه على رتابتها بتنويع القوافى بتقسيم القصيدة إلى مقاطع مختلفة القوافى ؟
يعنى العقاد غير ثائرا ولا مجددا فنيا ولا نقديا !!
[email protected]