أحد كبار رجال الأعمال من الذين يتخذون موقفًا معاديًا للثورة الأم ثورة يوليو المصرية المباركة التي غيرت وجه المنطقة كتب يعلق ويصف الثورة قائلاً: عنها "وهنا كانت النهاية".. وهو تعليق نختلف معه ونرفضه وندينه أيضا لأن الثورة التي كانت بداية وليست نهاية.. والثورة كانت العلامة الفارقة في خروج المواطن المصري إلي حياة جديدة لإثبات الذات والوجود.. والثورة كانت البداية لعهد المساواة بين الجميع واختفاء الفوارق الطبقية.. الثورة في مضمونها كانت نهاية لعصر الاستعباد وبداية لعصر الدولة التي تتوافر فيها الفرص للجميع.
وإذا كان البعض مازال يتحدث بإعجاب عن مصر قبل ثورة يوليو 1952م ويشيد ببعض مظاهر الحضارة والرقي في المجتمع المصري فإنه يتحدث بذلك عن نسبة قليلة لا تذكر من المجتمع المصري تملكت كل شيء. المال والنفوذ والبشر أيضا وكانت الأغلبية العظمي لا تملك شيئًا ولا تعرف عن الحياة إلا ما يقدمه لها الأسياد.. وكان الجهل والفقر والأمية هي السمات الأساسية في مجتمع الفوارق الطبقية الرهيبة.
وإذا كان البعض أيضا يتصيد بعض أخطاء التجربة الثورية وينسب إليها كل سلبيات المجتمع فإن الخطأ لم يكن في أهداف الثورة وإنما في التطبيق الذي لم يتسم بالمرونة اللازمة في استيعاب التحديات والتحولات الهائلة التي واجهت المجتمع.
فالثورة المصرية واجهت ومنذ اليوم الأول تحديًا غريبًا قادته بريطانيا وفرنسا من أجل تحجيم الثورة ومنع امتداد تأثيرها إلي المنطقة العربية والإفريقية والعالم الغربي وقف موقفًا عدائيًا ضد أي مشروع قومي جديد تقوده الثورة المصرية يعيد صياغة نهضة مختلفة في المنطقة مماثلة لما قام به محمد علي باشا الذي اطلق من مصر مشروعًا هائلاً تحدي به العالم وتكالبوا ضده حتي اجهضوه.
والثورة المصرية الأم ليست نهاية.. إنها الروح التي تنبض داخلنا.. تمنحنا أحساس القوة والفخار.. إنها البداية المستمرة المتجددة دائمًا بإيمان وثقة بأن في مقدورنا أن نكون وسنكون.
* * *
ومن الثورة إلي لغة الشعوب.. إلي الموسيقي القادرة علي أن تعيد الطمأنينة إلي القلوب وأن توحد بين الشعوب وأن تجمعنا دائمًا علي التعارف والتسامح والسلام.. واكتب في ذلك عن فيديو علي مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان "بالموسيقي تنجو الشعوب" وفيه مجموعة من الفتيات السودانيات يقمن بالعزف والغناء في مترو أنفاق القاهرة ويرددن بعزوبة وجمال أغنية "نعناع الجنينة" وقد تفاعل معهن الركاب من المصريين وأندمجوا معهن في الغناء والتصفيق والمشاركة والاعجاب والأغنية صرخة ونداء من الأبرياء والبسطاء والنازحين عن بلادهم.. أوقفوا الحروب.. أوقفوا الخراب.. أوقفوا الموت ودعونا.. دعونا نغني للسلام.. لنعناع الجنينة الذي يهديء المشاعر والقلوب.. دعونا نتلاقي في كل مكان علي الود والمحبة.. دعونا نتجاوز الحدود والمسافات لنكون وطنًا واحدًا يجمعنا.. وطنًا للإنسانية.. وللبشرية برائحة النعناع.
* * *
وأستاذنكم في أن أكتب عن "باشا" الصحافة المصرية.. عن القيمة والقامة الراحل الكبير أستاذي وأستاذ الأجيال في الكتابة السلسلة الواضحة الصريحة الأستاذ عبدالرحمن فهمي الذي رحل عن عالمنا بعد مسيرة طويلة من العطاء في عالم الصحافة كان فيها كبيرًا دائمًا.. كبيرًا في معدنه.. في سلوكياته في أخلاقه وفي اعتداده بنفسه وفي مساعدته للآخرين.
ولقد كان لي شرف التواصل مع أستاذنا الكبير طوال السنوات الماضية التي عاني فيها الكثير من المرض وتجاهل الأصدقاء وغياب معايير المهنية وأبجدياتها.. ولم يكن في حديثه عتاب لأحد.. أو شكوي من أحد كان دائمًا يتحدث عن المهنة وهو من أصحابها فقد كانت عائلته تمتلك أحد المباني الصحفية الضخمة قبل الثورة التي استمرت في قضايا عديدة تحاول استرداده مرة أخري.
و"الباشا" عبدالرحمن فهمي الذي كتب في العديد من الصحف إلي جانب "الجمهورية" كان صاحب مدرسة في كتابه التعليق الرياضي الممزوج بقضايا المجتمع السياسية والاجتماعية فكان حديثه مميزًا لأنه كان ببساطة يعبر عن المجتمع من خلال الحديث في الرياضة.
وإذا كنا نودع أستاذنا الكبير اليوم فإننا نودع معه ذكريات مرحلة من مراحل امبراطورية الصحافة التي تصارع الزمان لكي تواصل رسالتها التنويرية أمام تحديات الكترونية لفوضي غير منظمة في عالم الخبر والمعلومات لقد كنا نجاور ونزامل ونتعلم من الكبار.. من العمالقة.. أيام كان هناك من يريد أن يتعلم ومن يريد أن يسمع ويحسن الاصغاء.
* * *
وما دمنا نتحدث عن "باشوات" الصحافة فإننا نتحدث عن الباشوات الجدد الذين ظهروا فجأة بثرواتهم الهائلة وسلوكياتهم التي لا تتناسب مع المجتمع ولا تقدر المسئولية المجتمعية الملقاه علي الأثرياء في هذه المرحلة.
وأتحدث في ذلك عن أثرياء هذا العصر بتصرفاتهم وأعمالهم الاستفزازية التي لا تأخذ في الاعتبار الأزمة الاقتصادية ومعاناة الأغلبية.
فنحن مع الحق في الحياة للجميع.. ومن حق الغني أن ينعم بثروته.. وأن يسعد بنجاحاته ولكن مع الضوابط المعنوية في مراعاة ظروف الآخرين.. فليس مقبولاً أن تقود فتاة صغيرة جدًا جدًا سيارة فارهة بعدة ملايين لتدهس شخصين أمام أحد مولات أكتوبر وأن نتعامل مع هذا الحادث علي أنه حادث مروري فقط..! فالحادث ليس مروريًا وإنما تربوي وأخلاقي واجتماعي.. الحادث تعبير عن الاستهتار والاستفزاز.. والمال الذي كان سببًا في مصيبة أهله..!
* * *
ويسألني عن العمر.. كم عمرك.. سؤال نواجهه دائمًا وبتردد في أي مناسبة حيث الناس تنظر إلي العمر أولاً قبل اصدار أحكامها علي الأشخاص وتقييم أعمالهم.. ويا سيدي.. العمر لا يعني شيئًا.. نحن نكبر ونصغر حسب الظروف.. نحن أطفال مع من نحب.. ونحن شباب مع من عرفناهم وألفناهم.. ونحن شيوخ إذا ضاقت بنا الدنيا زادنا النصائح والذكريات والترحم علي ما فات..!! يا سيدي لا تسأل أحدًا عن عمره فذلك لن يفيد.
* * *
وأخيرًا:
لا يحزنك أنك فشلت ما دمت تحاول الوقوف علي قدميك من جديد.
* * *
وكلما زادت ثقافة الإنسان ازداد بؤسه.
* * *
وأسوأ ما يصيب الإنسان أن يعيش بلا عمل.. وبلا حب.
* * *
وأعرف سبعينًا صديق. وأتكلم مع أربعين. أرتاح لعشرين. وأعز عشرة. أثق باثنين ويبقي واحد مختلف عنهم جميعًا.