من الألف إلى الياء
في عصر الإعلام الرقمي الجامح، أصبح إنسان العصر في حيرة من أمره من تصارع وزخم التطبيقات والمنصات بحلوها ومرها..
كما أمسي بين مطرقة مواكبة التطورات المتسارعة واستيفاء متطلبات التحول الرقمي الذكي، وبين سندان المحافظة علي هويته وثقافته و قيمه!.
إنهما مساران متوازيان، ما بين قطف ثمار المدنية والتحضر، ومابين تحصين الهوية بكافة صورها الثقافية والوطنية والقيمية.
وفي تصوري أن المنصات الرقمية الجديدة بما تملكه من انتشار واسع ووسائط متعددة ،ووسائل جذب تتفنن في الإفلات من الرقابة وسلطة الدولة، كما تتبع أساليب المؤسسات الأممية والشركات متعددة الجنسيات التي تحاول أن تجد لنفسها عوالم خاص وقوانين متفردة تتمرد من خلالها علي القيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية، وأحيانا الإنسانية!.
إنه عالم جديد، يدار بفكر نفعي رأسمالي يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويتخذ من أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته ملاذا آمنا، ومحطات سحابية قد تخلق حالات العزلة و الاغتراب وتزييف الوعي في ثياب عصرية!.
مؤشرات الواقع وخلاصات الأبحاث العلمية تؤكد تزايد مسالب المنصات الرقمية، ما بين نشر قيم غربية وهدم مفهوم الأسرة وتكريس نظرية الاستقطاب السياسي والاجتماعي و الاقتصادي، وبث خطاب الكراهية والخصومة الحادة مع المجتمع وتوجيه موجة التغيير الجماعي.
كما أضحت بيئة خصبة لشن الحملات الممنهجة والتحريض الإعلامي، وتكريس خطاب التضليل والإثارة لنشر الشائعات المزيفة، وتوظيف الأزمات العالمية والمتغيرات الأممية واستخدامها في توصيف وتأطير هذا التأثير المغرض.
وتبدو أبعاد هذه الإشكالية أكثر إزعاجا مع غياب المسؤولية الاجتماعية وضعف الدور الرقابي للإعلام وتزايد اعتماد المواطنين علي هذه المنصات بنسبة ثقة تزيد عن 90%، وفقا لدراسة علمية حديثة للباحثين: د. محمد محمود بجامعة الوادي، ود. هالة حمدي بمعهد الجزيرة العالي للإعلام.
وفي هذا السياق جاء مؤتمر كلية الإعلام جامعة القاهرة والذي انتهت أعماله مؤخرا حاملا عنوان "صناعة المحتوي الرقمي في العصر الرقمي: الآليات والتحديات" تحت رعاية د. محمد عثمان الخشت رئيس الجامعة، ود.حنان جنيد عميد الكلية
ومن خلال متابعة جلساته وحلقاته النقاشية والقراءة الأولية لأوراقه البحثية وتوصياته نقطف هذه السطور..
في دراسة د. أمل إسماعيل، بالمعهد العالي الكندي لتكنولوجيا الإعلام الحديث، عن "صورة الأسرة المصرية في دراما المنصات العربية وعلاقتها بإشكالية الهوية الثقافية"، توصلت إلى أن الأسرة في دراما المنصات تعكس صورة مغايرة لطبيعة الأسرة المصرية، فهي تميل للتعبير عن قيم غربية في المقام الأول.
كما عرضت د. نجلاء محمد حامد بكلية الإعلام جامعة القاهرة، بحثها حول "مرتكزات الهوية الثقافية العربية فى دراما الإنتاج الأصلى للمنصات الرقمية: دراسة تحليلية على منصتى "شاهد ونتفلكس"، وأشارت إلى أن قيم المواطنة والانتماء غابت عن المسلسلات التي تعرض على منصتي "شاهد ونتفلكس"، في حين غلبت قيم السوق وجذب الإنتباه بمشاهد شرب الخمر، والعري والدعوة للتخلي عن الكيان الأسري وغيرها.
ومن أهم توصيات مؤتمر إعلام القاهرة والتي اعتبرها مرتكزات لخارطة طريق لتصحيح المسار ما يلي :
- ضرورة إقرار مقررات دراسية في مجال الإعلام ،تتناول كيفية التصدي للشائعات المقدمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
- تعزيز مجالات التعليم المدمج، وإنشاء منصات رقمية تشرف عليها الدولة، مع الاستفادة من التقنيات الذكية مع الالتزام بمعايير الدقة.
- قيام وسائل الإعلام بتوعية الجمهور وخاصة الشباب ببعض السلوكيات المنحرفة لصناع المحتوى،و"المؤثرين" الذين يقدمون محتويات مثيرة ولا تتضمن محتوى هادفا وحقيقيا بغرض تحقيق نسب مشاهدة عالية وأرباح مرتفعة.
- الاهتمام بدراسة دور مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج للمعلومات المضللة وخطاب الكراهية أو مواجهتها، وتحديد الاستراتيجات المناسبة لتحسين قدرتها على مواجهة المعلومات المضللة وخطاب الكراهية.
- حتمية قيام وسائل الإعلام بتسليط الضوء على مشكلات المجتمع الحقيقة، إلى جانب وضع نطاق أخلاقي لدعم القيم المجتمعية الأخلاقية.
- سن التشريعات الخاصة بمحاسبة المؤثرين والمروجين للمحتوى السلبي، وضرورة إلتزام صناع المحتوى الإعلامي الرقمي بتحقيق الكفاءة الإعلامية وإعداد المحتوى الرقمي بشكل محترف ،وبما يحافظ على القيم المجتمعية.
- العمل علي تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في مواجهة المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، استكشاف إمكانات هذه التقنيات لأتمتة الكشف عن المحتوى الضار وإزالته.
- تعزيز دور الرقابة الأسرية وتعزيز الثقافة الإعلامية لدى الآباء والأبناء.
- تطوير أساليب المعالجة الدرامية، ومناقشة الأعمال وتحليلها لزيادة وعي الجمهور مع الالتزام بوضع الضوابط واتباع المعايير الرقابية، وتدشين منصات رقمية تتولى الرقابة.
والخلاصة أن اتقاء شرور المنصات وقطف ثمارها بهدف تحصين الهوية الثقافية والدرامية والوطنية يستلزم التعامل معها بمنطق "خذ من خليلك ما صفا ودع ما فيه الكدر"، أيضا الدراسة الجادة لإيجاد البديل ، تعزيز فكرة إنشاءالمنصات الرقمية الموازية، التي تتصدي لصناعة محتوي إعلامي وثقافي جاد ومتميز..
لقد آن الأوان لترشيد الاستهلاك التكنولوجي وضبط إيقاعه.