ذهبت اليها لم أجدها.. ظننت أننى تائها عنها بغيرها.. أبحث في الوجوه لا أجدها .. الملامح غريبه وجامده والابتسامات بارده وباهته .. أبحث عن المباني والدروب لا أجدها .. أبحث عن الخضره والغيطان ..أجد بقاياها مختبئة على استحياء هنا وهناك ..لاأثر الا نادرا من بعض الدور القديمه المبنيه بالطوب اللبن .. أبحث عن النهر لاأجده الأ بصعوبه بعد أن أختفى وراء بعض العلب الأسمنتيه .. أبحث عن البهائم والحمير في الغيطان والطرقات ..لا أجدها .. حل محلها "التروسكيل" و"التوكتوك" .. أبحث عن المحراث ..أجده نسيا منسيا وحل محله الجرارات والعزاقات الميكانيكيه رغم ان مساحات الاراضى في قريتى قليله بالقراريط وليست بالأفدنه .. لكن فين الوقت ؟!..يقولها شاب مستغربا كلامى ، وهين قرشك ولا تهين نفسك ... يستكمل كلامه !
كل حين وحين .. أبحث عن الساقيه أوالبقره او الجاموسه التي تدور قودايسها وهى مغماة العينين حتى لاتدوخ من اللف .. أجدها فقط في المخيله وبقايا ذاكره قديمه .. حلت محلها مواتير المياه الثابته والمنقولة التي تعمل بالكهرباء أو بالديزل .. أبحث بدأب عن أبو قردان " صديق الفلاح " بلونه الأبيض الناصع ومنقاره الممتد وأرجله الطويله... يرد على احد الشباب : مين أبو قردان ده ؟...، فيتدخل آخربوصفه عالما ببواطن الأمور : المبيدات التي ترش على الزرع قتلته .. !!
في الذاكره كان الأجداد يستيقظون فى الفجر ، يصلونه جماعه أو فرادى ويسحبون بهائمهم الى الغيط بعد ان يقمن النسوه بحلبها ، ويركبون حميرهم الى الغيط ومعهم الفأس وعدة الشاي .. صحوت مبكرا وصليت الفجر وأنتظرت المشهد المحفور في الذاكره .. وجدت عدد قليل في المسجد لا يتجاوز الخمس ، قلت في نفسى تلاقيهم بيصلوا في بيوتهم .. وسيظهرون بعد قليل أنتظرتهم في الطرقات .. لم أجدهم ولم يظهروا .. شقشق النهاروصحت الشمس من مخدعها وغسلت وجهها في النهر .. ولم أجد الا واحدا او اثنين .. ورجال وشباب القريه في سبات عميق .. عندما سألت احد القدامى مثلى رد بسخريه: بيصحوا العصر و الكويس منهم بعد الظهر، أصلهم معذورين .. قالها ساخرا بعد ان "مط" شفتاه .. لم أفهم قصده .. سألت بسذاجه بدت اثارها على وجهه من جهلى قائلا : الكل سهران أمام الدش والنت .. يعنى ح يقطعوا نفسهم !!
"زلع "الصباح
في المخيله القديمه .. الفتيات والنسوه كن يخرجن في الصباح الباكر يملأن "الزلع " من ماء البحر " وهو يفتح عيناه ..والبحر في قريتى يطلق على فرع النهر القادم من بعيد من نهر النيل .. تغير المشهد وتبدل ..وجدت العديد من الفتيات والنساء يحملن أقفاص من الجريد في الصباح الباكر .. ولم أنتظر كثيرا حتى أعرف السر.. فقد وجدت أحداهن قادمه من أحد دروب القريه حامله على رأسها القفص وفوقه تتراص أرغفه الخبزالقادمه من "الطابونه " ..وهى الفرن البلدى الذى أفتتحه أحد الأغراب الذين وجدوا لهم أماكن كثيره للرزق في قريتى ..فأفتتحوا أكثر من فرن بلدى بل وأفرنجى ل "الفينو والمخبوزات .. وفرارجى وكبابجى وحلوانى وصيدليه .
المهم سألت عن الافران الطينيه القديمة ، كانت الأجابه من القدامى :ان البعض أستبدلها منذ سنوات بأفران البوتجاز قبل ان تغادر الى مثواها الأبدى ، أما ما يسكن الذاكره من الافران الطينية فأصبحت نسيا منسيا ... كانت تزين كل دار..وأشتاعلها كان بالحطب والقش وجذور الأاشجار واقراص " الجله " المصنوعه من روث البهائم والقش ... كان تصاعد الدخان وأنتشار رائحة الخبيز عنوان "عز وستر" ، وشطارة لصاحبة البيت " ست الستات" .. والسبب طبعا ارتفاع أسعار الدقيق وعدم زراعه القمح بشكل كبير في السنوات الماضية ومع ازمة الحرب الروسية الاوكرانيه
ياه على زمان ..كانت الحاجه الحلوه عباره عن كام " زر"بطاطا مشوى على بلاطه الفرن أو مدفوس في النار المتقده في مدخل الفرن بعد الخبيز ، أو صينيه بسيسه او رز معمر في الفرن .. لم يكن أحد يتذوق بسيسة البندر أو بسبوسته ، بل ويواجه مشتريها بسيل من الغمز واللمز والتريقه عليه وعلى ال بيته !!
الحزن والفرح
• كانت القريه تغرق في بحر الحزن وتتشح النساء بالسواد عند وفاة أحد أبناء القريه ، سواء كانت القرابه مباشره أو حتى من بعيد أو من الجيران .. كانت القريه كلها من دم واحد وان تعددت الوجوه وأبتعدت المسافات .. كانت جلسات العتاب والزعل وموجات الغضب تتناثر هنا وهناك لمجرد قيام احدى السيدات بطبخ محشى كرنب او قلى سمك او قرنبيط... باعتبار ذلك من مظاهر الغبطه والفرح والنفس والشهية المفتوحه للأكل ، وكان الراديو ممنوعا الا من إذاعة القرآن الكريم.. اما التليفزيون فكان ممنوعا بتاتا ، وقد تصل مدة المنع الى أكثر من عام ، وحتى نشرة الاخبار كانت مشاهدتها تلاقى عتابا وانتقادا، أما الأفراح فكانت تؤجل أعواما وسبوع الأطفال " سكاتى "...
الآن تتم مراسم دفن الموتى أو تلقى العزاء في شارع والشارع الآخر به أفراح، في القريه الواحده عدة سرادقات للعزاء واكثر منها للأفراح في وقت واحد ... ليه كده ؟
الأجابه جاهزه وبارده "ثلج ": الحى أبقى من الميت.. والحزن في القلب مش في الأكل ، وعمر لبس الأسود م يرجع ميت .. والفرح كان متحدد قبل الوفاه، و"ده جه على ده" !!
ووصل الأمر في أحد سرادقات العزاء كان المعزيون يستعجلون المقرئ في الانتهاء من ربع تلاوة القرآن، ليس لصلاه العشاء لا سمح الله (!!) ولكن من أجل اللحاق بمشاهدة مباره كره قدم ستبدأ بعد نصف ساعه ... أه والله.. وأنفض السرادق الا من بعض العواجيز وأهل الميت ...أستغفرت الله في سرى ردا على الشيطان الذى وسوس لى بأن أهل الميت كانوا يتمنون مشاهده المباره لأن الحى أبقى من الميت !!
والأفراح لم تعد بالزفه البلدى ورقص الأحصنه او الرقص بالعصى للرجال وبعيدا عن أفراح السيدات و البنات .. الكل يرقص الآن على اغانى المهرجانات وتختلط البنات بالشباب ويرقص الجميع ويتمايلوا على اغانى "الدى جى" وهاتى بوسه يابت !!
لم تعد شوارع القريه أو دوارها أو ساحاتها مناسبه لأفراح أولاد اليومين دول .. الكل يحجز قاعات للأفراح في المدن الكبرى بالمحافظه وبعشرات الالاف من الجنيهات .. !!
وللحزن والفقد والذكريات بقيه !!
[email protected]