طيب القول
نعيش هذه الأيام أجواء ذكريات غالية وعزيزة علينا جميعاً، سواء كأُمَّة مصرية أو عربية وإسلامية، فقد تزامن شهر رجب بنفحاته الروحانية وتحريكه وبَعْثِه أجواء ومشاعر شهر رمضان المبارك فى نفوسنا، وهو الشهر الذى ننتظره، بل ينتظره الكون كلُّه بكافّة مخلوقاته، للتشبُّع بفضائله ونفحاته التى اختصَّه الله تعالى بها، من الرحمة والمغفرة والفوز برضوانه سبحانه عزَّ وجلَّ.
فشهر رجب "مُضَرْ" أو الأصمّ أو الأصبّ، الذى ذكره سيّدنا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وحثَّنا على الدعاء فيه، لأن الله يصبُّ فيه من الرزق والخير صبًّا، فكان أهل مكة يجدون أرزاقهم تزيد في رجب، ومرضاهم تُشفى، فيُكثرون فيه من الدّعاء؛ لأن الله يصبُّ فيه من بركاته وقبوله للدعوات. فاللهم صُبَّ علينا خيرك وفضلك وعافيتك صبًّا صبًّا، اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين، وبارك لنا فى أهلِنا وأولادنا، وقرِّبنا إليك وأعنّا على طاعتك، وأدخلنا جنَّتك، وباعد بيننا وبين معصيتك وعذابك.
ورجب من الأشهر الحرم، التى حرَّم الله فيها القتال، فقد روى عن أبي بكر- رضي الله عنه- أن النبي قال فى حجّة الوداع يوم عرفة: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ». (رواه البخاري).
كذلك نتذكّر فى هذه الأيام، مواقف وبطولات المصريين، وتحديداً استبسال جنود وأبطال الشُرطة بمحافظة الإسماعيلية، فى ٢٥ يناير ٥٢ حينما وقفوا بكلّ رجولة وفدائية، رافضين تسليم أسلحتهم لقوَّات الاحتلال الإنجليزى، وإخلاء قسم الشرطة، وظلّوا على عهدهم حتى سقط منهم ٥٠ بطلاً شهيداً و٨٠ جريحاً ومُصابا، ومن يومها اتّخذته وزارة الداخلية عيدا وطنيا لها، كما اتّخذته الإسماعيلية عيدا وطنيا للمحافظة، ليذكِّرنا بأمجاد وبطولات وتضحيات المُخلِصين من أبناء هذا الوطن الغالى.
وتتكرَّر المواقف والبطولات فى ذاتِ الوقت والتاريخ، ليجدّد المصريون عطاءهم وإخلاصهم للوطن، بثورة يناير ٢٠١١، التى أصبحت "أيقونة" الشباب، خاصة بعد تصحيح مسارها فى الثلاثين من يونيو ٢٠١٣، لتصبح الدافع الرئيسى لانطلاق مصر نحو بناء "الجمهورية الجديدة"، التى نسعى إليها جميعاً، لتكون مصر هى "أُمُّ الدنيا"، بسواعد وعقول أبنائها المُخلِصين الأوفياء الذين هُمْ على العهد دائما وأبدا، وفى خير ورباط إلى يوم القيامة، كما وصفهم سيّد الخلق أجمعين.
ونحن بتذكُّرنا لهذه المواقف والذكريات، إنما نستَلْهِم منها العِبرة والحِكمة التى تُعيننا وتساعدنا على مواجهة التحدّيّات الكثيرة والمتعدّدة، داخلياً وخارجياً، التى تعترض طريقنا نحو التقدّم والازدهار، ونتذكّر ما واجههُ أسلافُنا من التحدّيّات والصعوبات، وكيف تغلَّبوا عليها ببطولة وتضحيّات فدائية، فلم يجزعوا أو يتخاذلوا فى الذَوْدِ والدفاع عن الوطن، وسلاحهم الأهَمَّ والأعظم هو الاعتصام بحبلِ الله، ثم الوعى والانتماء الخالص والعميق لوطن طالما كان- وسيظل إن شاء الله- هو المصنع الحقيقي للأبطال الأوفياء.
فهذه هي معركتُنا الأولى والأهَمَّ، إيقاظ وترسيخ الوعى والانتماء، خاصةً لدى أبنائنا وبناتنا من الأجيال الجديدة، فَهُمْ ثروتُنا وذخيرتُنا الحقيقية، لـ"تحيا مصر" دائما وأبدا كما أرادها الله آمنة مطمئنة، كما قال على لسان سيدنا يوسف: "... ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ" (يوسف: 99).