هذه الدنيا
للزميل الدكتور مصطفى عبد الرازق برنامج ثقافى مهم يبثه على الـ"يوتيوب" إسمه "منبر واصل"، وتعتمد فكرته على تقديم قراءة ثقافية يخوض فيها الدكتور مصطفى فى أعماق التراث والعلوم الإسلامية. ومثل هذه النوعية من العلوم التى تتسم بالرصانة قد لا يتمكن أى شخص من القراءة فيها ما لم يجد من يقدم له مفاتيحها، وهو ما يفعله مًقدم البرنامج بكل اقتدار فيخلق لدى المشاهد شغفًا بمعرفة الكثير بعد أن تتكون لديه فكرة أولية عن الموضوع فيكون أمامه إما المتابعة من خلال الرجوع لأمهات الكتب التى يشير إليها البرنامج، أو الإكتفاء بالفكرة التى تم تقديمها.
الجهد الكبير الذى يقدمه الدكتور مصطفى عبد الرازق فى هذه الإطلالة الثقافية يستحق أن يكون برنامجًا تليفزيونيًا على إحدى القنوات العامة أو المتخصصة، وأتمنى أن يقوم الأستاذ حسين زين رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمطالعة حلقات البرنامج وهى موجودة على شبكة الانترنت، وأن يقرر بثه على أى من القنوات التابعة للهيئة، فإذا كان تجديد الخطاب الدينى وتطويره وتنقيته مما علق به من شوائب إحدى المهام الرئيسية التى تحظى بأولوية لدى مؤسسات الدولة كافة، فإن هذا البرنامج يتسق مع ذلك الهدف الكبير، والمؤكد أن إعلام الدولة بما يقع عليه من مسئوليات قومية هو الأولى بتقديم برنامج ثقافى جاد من هذا النوع.
البرنامج يتم إنتاجه حاليًا بمجهود فردى بحت من الدكتور مصطفى عبد الرازق، وينم عن عمل احترافى عالى المستوى بدءًا من "التيتر" وتصميمه وشكل الفواصل وطريقة التصوير، وصولًا إلى المحتوى العلمى الذى نجح مقدمه فى أن يمزج فيه بين تخصصه العلمى الدقيق وخبرته فى العمل الصحفى، مما يجعلنا بصدد برنامج ثقافى بنكهة صحفية.
والبرنامج إسمه مميز، ويطرح علامات استفهام لدى المشاهد، وقد تصورت فى بادئ الأمر – بحكم خلفيتى الصحفية – أن "منبر واصل" تعنى بلغة الصحافة أن هذا المنبر واصل أو أن صوتك واصل لصاحب القرار مثلًا، فإذ بى أفاجأ بأن التسمية تحمل معنىً فلسفيًا عميقًا يحقق هدف البرنامج وشعاره: "الوسطية منزلة بين الإفراط والتفريط"، حيث يعود تسمية "منبر واصل" إلى المفكر والفقية "واصل بن عطاء"، وهو إحدى الشخصيات المحورية فى التاريخ الإسلامى، وولد بالمدينة المنورة سنة 80 هجرية فى مرحلة شهدت تيارات فكرية متصارعة بسبب أزمة الخلافة، حيث أدت هذه الأجواء إلى اعتزال مجموعة من الصحابة فى المدينة، وكان هذا سبب تسمية واصل والفرقة التى تبعته باسم "المعتزلة"، وعاش واصل 18 سنة بالمدينة فى ظل بيئة زاخرة بالعلم مما منحه باعًا كبيرًا فى الفقه والتفسير، وفى عام 98 هجرية ارتحل إلى "البصرة" المدينة الأولى فى العلم والحرية الفكرية، وبزغ نجمه عندما تتلمذ على يد الإمام الحسن البصرى، وأدى ذلك إلى زيادة باعه فى علوم القرآن المختلفة. وكان من أهم القضايا التى اهتم بها واصل بن عطاء قضية "حكم مرتكب الكبيرة"، وكان هناك اتجاهان فكريان متصارعان حول الموقف من ذلك، مثل الخوارج أحدهما باتخاذ موقف متشدد من مرتكب المعصية باعتباره كافرًا، بينما اتخذ "المُرجئة" موقفًا متساهلًا. واعتمد منهج "واصل بن عطاء" على إعمال العقل فى مواجهة هذه الفرق مع الأخذ بالأدلة من الكتاب والسنة، وكان رأيه أن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين المنزلتين، أى منهج قائم على التوسط بين منزلتين.
ولكل ما سبق نفهم لماذا اختار الدكتور مصطفى عبد الرازق إسم "منبر واصل" لبرنامجه الذى جعل رسالته نشر الفكر الوسطى باعتباره منزلة جديدة لا تقبل الإفراط وترفض التفريط.
أتمنى أن ينتقل "منبر واصل" إلى الشاشة الصغيرة، فما أحوجنا إلى هذا النموذج من الإعلام المسئول الذى ينشر فكرًا يعتمد على إعمال العقل.