رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ما أعظمك يا رسول الإنسانية

فى ذكرى ميلاد رسول الإنسانية سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه واجبنا أن نتذكر ما غرسه فينا من قيم وأخلاقيات رفيعة، وما تركه لنا من هدايات ووصايا تحمل كل ما يصلح لنا شئون ديننا ودنيانا.

نتذكر أقواله الكريمة وسيرته العطرة التى تجسدت فيها كل قيم التسامح والعفو والرحمة.. فى ذكرى مولده نتذكر قوله الشريف صلوات الله وسلامه عليه "اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".. فهذا الحديث – كما يقول عالم السنة النبوية د.أحمد عمر هاشم- يتضمن ثلاث وصايا جامعة تشمل جميع المعاملات التي يستقيم بها أمر الدين والدنيا، وتبين حقوق الله تعالى وحقوق العباد.. فحق الله سبحانه وتعالى "أن يتقى حق تقاته" بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، يحمد سبحانه وتعالي على السراء والضراء كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

وأما حقوق العباد فأولها حق الإنسان على نفسه بتحقيق مطالب روحه وجسده في إطار من مراقبة الله فى كل ما يفعل، وثانيها حق العباد عليه، وهو أن يعاملهم بمثل ما يحب أن يعاملوه به، وبأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويبغض لهم ما تبغضه نفسه، فإن حاد عن الصراط المستقيم واتبع نفسه هواها وجب عليه أن يردها إلى الحق، وأن يعقب السيئة بالحسنة، والإثم بالبر ليمحو آثار ما صنع، وما اقترف من إثم، وما ارتكب من معصية، وأن يتخلق بالكريم من الصفات ويتجمل بمكارم الأخلاق.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت": توجيه نبوي كريم إلى ما يجب أن يحرص عليه الانسان من سلوكيات راقية فى كل مكان يذهب إليه، فهو سبحانه وتعالى القائل: "واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير".

ويعني ذلك أن على الإنسان أن يعلم أن الله يراه ويعلم كل ما يفعله في سره وعلانيته، وأنه يحصي عليه كل تصرفاته، ويسجل عليه أو له كل أفعاله، لا يخشى في الحق سواه، ومنها طاعة الله سبحانه وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيها امتثال بأوامر الله، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده فما أجمل أن ينشأ الإنسان على الطاعة منذ نعومة أظفاره حتى تصير له خلقا..يقول صلى الله عليه وسلم: "أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله عز وجل وحسن الخلق".

وقوله صلى الله عليه وسلم "واتبع السيئة الحسنة تمحها": إشارة إلى انه مهما كان الإنسان حريصا على تقوى الله عز وجل والاعتصام بحبله والاستمساك بما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فهو معرض لأن يخطىء ويتجاوز وينساق وراء شياطين الجن والإنس، ويتردى في بحور الرذيلة، ومن فضل الله -وهو الغني عن عباده- أن فتح لهم أبواب القبول إذا عادوا إليه وذكروه فاستغفروا لذنوبهم، ولم يصروا على ما فعلوا، يرجون رحمته، ويخشون عذابه، ويطمعون في عفوه ومغفرته.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "وخالق الناس بخلق حسن" تنبيه إلى أن أهم الخصال التى ينبغى أن يتحلى بها الإنسان هى (حسن الخلق) فهو ركن عظيم من أركان التقوى، بل إن التقوى لا تتم إلا به.. يقول صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا".

لقد جاءت توجيهات نبوية كريمة في الحض على كل خلق حسن، ولقد كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مثلا حيا، وصفحة مشرقة وصورة رفيعة لمكارم الأخلاق، وحسبه صلوات الله وسلامه عليه ما ذكرته عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلقه، قالت: "كان خلقه القرآن"، فقد تمثله صلى الله عليه وسلم قولا وعملا وسلوكا وتطبيقا، وكان بذلك خير أسوة لأمته في الاعتماد على العنصر الأخلاقي منهجا يستقر في" الوجدان، وينبثق في المشاعر والسلوك، ويقوم عليه واقع المجتمع الإنساني الفاضل، وتكون أمة الإسلام به خير أمة أخرجت للناس.

**

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا فى الرقى الإنسانى لا يعرف الكذب فى الحديث، ولا يقر النفاق، ولا يخون الأمانة.. وما أكثر الكذب والنفاق وخيانة الأمانة فى حياتنا المعاصرة.. ومن أقواله فى محاربة هذه الخصال السيئة:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" وفي رواية "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم".

فهذا التوجيه النبوي الكريم يؤكد حرص الرسول الصادق الأمين على نشر الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق، ولذلك شدد على التحذير من كل ما يتنافى مع الخلق الفاضل أو يسيء إلى الأفراد والمجتمعات، أو ينشر الضغائن بين الناس.

كان صلوات الله وسلامه عليه مثالا فى التواضع واحترام كل الناس.. ومن أقواله:" التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، والعفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله".. هذا هو رسول الإنسانية والرحمة الذى علمنا كيف نتسامح ونتراحم ويعفو بعضنا عن بعض فى إطار من الود والاحترام، فما أجمل أن يتنازل الإنسان عن حق له، ويعفو بطيب نفس عمن ظلمه، ويتعامل مع الآخرين بتسامح ورحمة.

لقد علمنا عليه الصلاة والسلام قيم التسامح والعفو والرحمة فى التعامل مع كل خلق الله، لا فرق فى ذلك بين مسلم وغير مسلم، فالمسلم الحق يحب العفو ويتخلق بالتسامح، وشعاره قول الحق سبحانه:" خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين".

المسلم الحق المتخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم علم اليقين أن عفوه ليس ضعفا، بل قوة تكسبه احترام الآخرين، وتؤلف حوله القلوب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:" ما نقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة يبتغى بها وجه الله إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة".. فالعفو خلق العظماء الذين رزقهم الله نفوسا طيبة، وهو يضع أقدام صاحبه على طريق التقوى، فالله سبحانه وتعالى يقول:" وأن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسو الفضل بينكم".

ما أعظمك يا رسول الله .. وما أحوجنا الى الاهتداء بهديك والسير على نهجك والتخلق بأخلاقك.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة