من الألف إلي الياء
لم تضع حرب أوكرانيا المستعرة بعد أوزارها ،بل وتنذر بحروب اقتصادية واستراتيجية وحضارية متتابعة، وبدأ الحصاد الأسوء لتداعيات الصراع الأسود ،لفرض الهيمنة الأممية وتدشين نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.
ومع تعثر إمدادات الغاز الروسي ،وتصاعد أزمات الطاقة في أوروبا وانعكاساتها علي العالم بدا المشهد العبثي المأسوي أكثر قبحا وتأثيرا، ويبدو أن العالم في مسار إجباري نحو الترشيد تجنبا لما قادم علي المستويين القريب والبعيد!.
أوروبا الآن علي بعد خطوات من شتاء مظلم ومؤلم بعد تراجع الإمدادات و الكميات المتفق عليها من خطي الغاز القادمين من روسيا ،نتيجة إصرار دول الناتو علي فرض المزيد من العقوبات والإصرار علي رفض التفاوض وسكب المزيد من الزيت، وإمداد أوكرانيا بمزيد من الأسلحة والعتاد..
ويبدو أن دول أوربا الغربية ستدفع لامحالة فاتورة الكبر والعناد،و"علي نفسها وقومها جنت براقش"!.
كل المؤشرات المستقاه من الواقع المر واستشراف المستقبل الأكثر مراره تؤكد أن استراتيجية الترشيد لم تعد اختيارا وترفا ،بل أصبحت ضرورة إجباريه،للخروج الآمن من الأزمات المتتابعة علي أمل أن تتوقف الحرب ،ولو لهدنة أممية لالتقاط الأنفاس وإعادة الحسابات والبحث عن أصوات متعقلة تضع حدا لهذه التداعيات المأساوية ،لعل وعسى !!
فمن جديد عادت دول أوروبية عديدة لتشغيل محطات الفحم المتوقفة لتوفير احتياجات الطاقة المتصاعدة وتعويض بعضا من مخزونها الاستراتيجي الذي يتناقص يوما بعد يوم.
واتخذت معظم دول أوروبا ،وعلي رأسها ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا.
قرارات صارمة لوقف استزاف الطاقة ،بل وتقليل درجات الإضاءة في الشوارع والمقاصد السياحية ،وفرضت عقوبات قاسية علي المخالفين.
وبدأت الدول الصناعية تتحسب لاحتياجاتها من الطاقة لتشغيل المصانع والورش الإنتاجية ،والتفكير في مصادر بعيدة عن روسيا وأوكرانيا، والاتجاه نحو مصادر الطاقة المتجددة والغاز بالمنطقة العربية ودول البحر المتوسط.
واعتقد أن أهم فضائل فكرة الترشيد الأممية ، دعم الشعور الجمعي بأن العالم أصبح في خطر داهم نتيجة استمرار الحروب والصراعات وآثارها السلبية ،علاوة علي إيقاظ الضمائر الإنسانية حول مقتضيات مقاومة آثار التغيرات المناخية والتوحد لإنقاذ البيئة الإنسانية تحت شعار عالم واحد ومصير مشترك.
وعلي المستوى المحلي وبعد إعلان الحكومة المصرية مؤخرا عن الأهمية الاستراتيجية لترشيد الطاقة، أتصور أن فكرة الترشيد يجب أن تكون منهج حياه لكل المصريين تضمن تحقيق العديد من الأهداف علي مستوي الفرد والمجتمع.
ويأتي علي رأس مزايا وفوائد سياسية الترشيد، ضمان إنجاز أهداف التنمية المتواصلة،أو المستدامة التي تعتمد في المقام الأول علي فكرة وقف استزاف الموارد، والعدالة البيئية والتنموية، والحفاظ علي حق الأجيال القادمة في حياة آمنة وكريمة.
ومن الابعاد الاجتماعية المهمة تفعيل فكرة المشاركه المجتمعيه الإيجابية والشعور بالمسؤولية علاوة علي إنجاز مجموعة من الأهداف والغايات الاقتصاديةوالاستثمارية، والمساهمة في دفع عجلة التنمية وزيادة الكميات المصدرة من الغاز والطاقة المتجددة ودعم استراتيجية الربط الكهربائي الدولي لتصدير فائض الطاقة.
ومن جديد أتصور أننا في حاجة ماسة لتدشين سياسات توعوية جديدة تعتمد في المقام الأول علي مرتكزات التربية الإعلامية والمواطنة البيئية، وغرس الوعي الشامل.