الآباء والأبناء .. لغز !
تشغلني دائما العلاقات الانسانية .. والقلوب اللينة .. التى لا تحمل ضغينة او كراهية او حقد لأحد .. واتوقف دائما امام : " ان قلوب العباد .. بين أصابع الرحمن .. يقلبها كيفما شاء " .. ولكننا امام لغز علاقة الآباء بالابناء .. نفكر طويلا .. بداية نعترف بان الله سبحانه .. وضع فى قلب الآباء .. حبهم لابنائهم .. فهو بالفطرة .. لجميع مخلوقات الله .. ولكنه سبحانه ترك حب الأبناء للآباء .. دون توصية .. إنما جعل ثوابها عظيما .. فيكفى ان نعرف ان بر الوالدين .. ليس فقط ثوابه الجنة .. إنما إطالة العمر ايضا .. والآيات فى القرآن الكريم تحث بل تدفع الأبناء على حب الآباء .. ولا تقل لهما أف .. ولا تنهرهما .. يعنى حتى مجرد كلمة أف .. منعها القرآن ان تقال للوالدين .. ولابد ان نعى جيدا .. تاثير الآباء على الأبناء .. ليس فقط فى وراثة مهنة الأب .. إنما فى اشياء كثيرة .. وصفات يكتسبها او لا يكتسبها الأبناء من الآباء .. وامامنا نماذج .. فكم من الأبناء .. لم يتاثروا بآبائهم .. وشقوا طريقهم فى الحياة .. اعتمادا على أنفسهم .. ويوجد ايضا العكس .. انها علاقة ممتدة على طول العمر .. اقول : ان الناس مختلفة عن بعضهم البعض .. الاكثر من ذلك .. ان يختلط فاسدهم بصالحهم .. وهنا يقفز الى ذهنى .. صور مختلفة لعلاقة الآباء بابنائهم .. والأبناء بآبائهم .. اتذكر ابنة بائعة اللبن .. فى عهد الخليفة العادل عمر بن الخطاب .. والذى سمع بنفسه .. دون أن تراه الام أو ابنتها .. عندما أمرت الام .. ابنتها : اخلطي اللبن بالماء .. فيكثر بيعه .. وجاء جواب البنت لأمها : لن افعل .. قائلة : لقد نهى امير المؤمنين عن خلط اللبن بالماء .. فقالت الأم محاولة اقناع ابنتها : ولكن عمر لا يرانا .. أجابت البنت : ولكن رب عمر يرانا .. امثال هذه البنت قلة .. الذين يراقبون الله فى اعمالهم وافعالهم .. قبل مراقبة الناس .. واليس من الغريب ان تأتى النصيحة هذه المرة .. من البنت لأمها .. فالأولى ان تكون الأم هى الناصحة .. انها القدوة والمثل والنموذج .. وهنا يقفز السؤال الذى يدق الرؤوس بعنف .. هل الصلاح والفلاح ومخافة الله .. لا يرتبط بصلاح والديهم .. وان مجرد تبادل الادوار .. لا يستحق منا التأمل .. بل والتساؤل .. هنا اعود لقول عمر بن الخطاب .. عندما سأله قس بن ساعدة .. هذا السؤال .. قال عمر : إنما الأباء والأمهات بشر .. لا يبلغون العصمة ببلوغهم مقام الأبوة .. ولا ينالون القداسة بحصولهم على البنين والبنات .. وحينما يهتدي الانسان وينصلح قلبه .. فإنه لا يسأل عن عمره .. إنما للتربية دور لا يستهان به فى استقامة الأبناء .. أو اعوجاجهم .. ومفهوم التربية ومفعولها الى حجم معين .. فإنه يوجد شئ خفى .. يولد مع الانسان .. هو طبعه وروحه .. وقابليته للخير والشر .. وكل انسان لديه ميل داخلى .. للطريق الذى يختاره .. وهذا الميل .. ينبع من الروح .. وما ادراك ما الروح .. التى هى من أمر الله .. ومهما غيرت التربية من الإنسان .. إلا أنه يبقى تغيرا مؤقتا .. سرعان ما يعود إلى هذا الميل .. اما للخير أو الشر .. انظروا .. الى سيدنا إبراهيم عليه السلام .. الذى كان نبيا .. بينما ابوه آزر من المشركين ..فليس صلاح الأبناء .. منوطا بصلاح آبائهم .. والعكس .. مع سيدنا نوح وابنه .. فقد نجا نوح بقومه من الطوفان .. وغرق ابنه .. وهذا اكبر دليل على أن صلاح الآباء .. ليس حصنا للأبناء .. وهذه نماذج اخترتها من بيوت أنبياء .. فما بالنا بمن غيرهم .. ولا يجب أن ننكر أثر الآباء والأبناء بعضهم على بعض .. لكن يد الله هى الأعلى فى هذا .. وقلب الإنسان هو دليله .. او مرشده .. واذا أدار الله اصابعه بقلب الإنسان إلى اتجاه الخير والرشد والصواب .. فلا يمكن لاى رياح سواء تربية أو غيرها .. أو حتى اى عواصف .. او اى شئ كان .. ان يغير اتجاه القلب .. الى غير ما وجهه الله .. ومع ذلك فإننا .. نرى الأمر .. نعم الامر الإلهى من الحق سبحانه .. بالطاعة للوالدين فى كل شئ .. عدا الشرك بالله .. وقد وضع الله سبحانه .. حقوقا وواجبات للأبناء تجاه الآباء .. والعكس .. ليحفظ لكل فئة حقها .. ولعل أبسط حقوق الأبناء .. اختيار اسمائهم .. حتى لا يكون محل سخرية بهذا الاسم !! والاهم هنا .. تعليم الأبناء الذى هو جزء من تربيتهم .. فالأبوة تتحقق بالرعاية والتعليم .. ولابد ان يكون بداخلنا يقين لا يتزعزع .. بأن الإنسان يمكنه .. ان يكتسب بالخبرة والممارسة والتعليم والدراسة ومعرفة طبائع النفوس .. وعادات وتقاليد الناس .. كل هذه الأمور يكتسبها الإنسان بجهده وثقافته .. وهو ما ينعكس على سلوكه وتعاملاته .. اما الأهم والاعظم .. هو ما يلهمه الله .. للانسان .. انه توفيق والهام من الحق سبحانه .. ومن الحق وحده .. ليس عن علم أو خبرة ..فالانسان مسير فقط فى رزقه وأجله .. ومخير فيما عدا ذلك .. والانسان يستطيع ان يصلح ويقوم نفسه بنفسه .. إذا أراد .. واذا أدرك الفارق بين الصح والخطأ .. وتبقى علاقة الآباء بالابناء .. والأبناء بالآباء .. هى العلاقة الأبدية التى لا تفترق إلا بالموت .. اللهم ارزق أولادنا البر بآبائهم ..وارزقنا البر بأبنائنا .. اللهم ارزقنا حسن الخاتمة .