لوجه الله:
كل عام وأنتم بخير.. هل علينا عيد الأضحى المبارك بنفحاته الروحية الطيبة وعطائه الإنسانى الوافر، وأجوائه الإجتماعية التى لا تتكرر إلا فى عيد التضحية والفداء.
اليوم.. (يوم عرفة)، وهو يوم عظيم مبارك يستحب صيامه لغير الحاج، حيث يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ ".. وقد عظم النبي صلى الله عليه وسلم من فضل الدعاء يوم عرفة فقال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".
وغدا هو (يوم النحر) للحاج وغيره، حيث ذبح الهدي والأضاحي.. يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: " مَا عَمِلَ آدَمِىٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عز وجل مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ إِنَّهَا لَتَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا"، وعن عائشة رضي الله عنها، أنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " مَا بَقِيَ مِنْهَا ؟ قالت : مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلاَّ كَتِفُها . قَالَ: ” بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرُ كَتِفِهَا ".
وعيد الأضحى المبارك كله نفحات روحية وعطاءات إنسانية واجتماعية واضحة حيث ينبغى أن يعيش المسلم وجدانيا مع ضيوف الرحمن ويدعو الله أن يكون فى العام أو الأعوام القادمة بين صفوفهم لينعم ببركات هذه الرحلة الروحية الطيبة وليكون من هؤلاء الذين وعدهم رسول الله بغسل ذنوبهم والتخلص من آثامهم، فهو صلى الله عليه وسلم القائل:" من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".
وصلاة العيد لها رسالتها الروحية ودورها فى إدخال البهجة فى نفوس الصغار والكبار، وهى سنة ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم، وأن يبدأ بها برنامجه في هذا اليوم المبارك، وأن يذهب إليها وهو في كامل نشاطه وحيويته، وأن يصطحب معه أسرته وخاصة أطفاله ليشهدوا بهجة هذا اليوم الأغر، وأن يستعد لها بأن يغتسل وأن يلبس أجود ثيابه، وأن يضع على جسده شيئا من الروائح الزكية.. فالمطلوب من المسلم رجلا كان أو إمرأة أن يستقبل يوم العيد وصلاة العيد بأحسن ما يكون الاستقبال من عبادة وشكر لله تعالى ومن هيئة جميلة.
وصلاة العيد ليست مجرد عبادة يؤديها المسلم ثم ينصرف الى بيته، فتجمع المسلمين فى هذا اليوم له أهداف اجتماعية وإنسانية بالإضافة إلى الهدف الدينى والأخلاقى من أداء الصلاة فى جماعة ، فهي فرصة لتلاقي المسلمين في بداية هذا اليوم الأغر وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ينتهزون هذه الفرصة لتقوية صلاتهم الاجتماعية والإنسانية بعضهم ببعض وكانوا يهنئون بعضهم بعضا ويقضون بعض الوقت الطيب مع بعض داخل المسجد أو خارجه يتبادلون التهاني والنصائح والأحاديث الودية ويعودون إلى منازلهم وهم أكثر بهجة ونشاطا.
والأضحية من أفضل القربات الى الله عز وجل فى هذه الأيام المباركة، وهى مطلوبة من المسلمين القادرين لينهلوا من فضل الله عز وجل.. والقادر على الأضحية هو الذي يمتلك ثمنها فوق حاجاته الضرورية، فكل من يستطيع شراء أضحية دون حرج أو استدانة مطلوب منه أن يضحي اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ضحى بكبشين أملحين أقرنين.. أي خروفين يخالط بياضهما سواد ولهما قرون.
ومقاصد الأضحية وأهدافها الدينية والاجتماعية والإنسانية واضحة، حيث شرعت لتكون شكرا لله تعالى على نعمه، ومن أجل التوسعة على الفقراء والمحتاجين، فالأضحية في عيد الأضحى تماثل زكاة الفطر في رمضان، والهدف من الاثنتين هو التوسعة على المسلمين خاصة المحتاجين منهم، فضلا عن أنها تساعد على صلة الرحم، حيث يتم تخصيص جزء منها للأهل، وجزء للأقارب والأصدقاء، وجزء للفقراء.. لذلك ينصح العلماء كل مسلم بالحرص على الأضحية إذا ما كان قادرا عليها، وأن يقدم النصيب الأوفر منها للفقراء والمحتاجين، وأن يتعامل معها على أنها عبادة لها أهداف إسلامية واجتماعية وإنسانية رائعة.
**
وفى يوم العيد واجب كل واحد منا أن يفرح ويدخل السرور والبهجة على نفسه وأسرته دون أن يرتكب مخالفات أو تجاوزات شرعية، فالاسلام دين فرحة وبهجة وسعادة، ويحث المسلم دائما على أن يعيش البهجة مع أسرته وكل المحيطين به .
والأعياد كلها منافع وفوائد للجميع من أغنياء وفقراء، ولو فهم المسلم المقاصد الحقيقية من العيدين واحتفل بهما وفق الضوابط الشرعية والالتزام بالقيم والأخلاقيات الإسلامية لأدخل السرور والبهجة على نفسه وكل المحيطين به دون تجاوزات أو مخالفات، والأعياد في الإسلام فرصة للترويح عن النفس بكل ما هو مباح ومشروع، والمباحات من وسائل الترفيه والبهجة كثيرة ومتنوعة.
علينا أن يتخذ من هذا العيد مناسبة أو فرصة لتجديد المحبة والمودة والتزاور والتلاقي بين الأقارب والأصدقاء، وأن نتخذ من العيد فرصة لتصفية الخلافات مع الجميع وخاصة الأهل والجيران.
واجبنا أن نجعل من العيد فرصة لمساعدة المحتاجين، وتفريج كرب المكروبين وإدخال السرور على المحزونين ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
سعادتنا بالعيد يجب أن تظهر بشكر نعم الله علينا، وبمشاركاتنا الاجتماعية والإنسانية، وبالتكافل بين أفراد المجتمع، وليس بمجرد اللهو والعبث أو ارتكاب المعصية أو الخروج عن الآداب الإسلامية.
ينبغى أن نغتنم فرصة العيد لدعم الروابط الأسرية والاجتماعية مع أهلنا أولا ثم مع الأهل والأصدقاء والأقارب والزملاء، فنترك الخلافات والمنازعات ونبدأ مع الجميع صفحة جديدة يغلفها التسامح والرحمة.