رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب


وقفت يوم السبت الماضى .. فى قلب شارع المعز .. الذى يعتبر واحد من اهم الشوارع التاريخية بالقاهرة .. قلت فى نفسى .. هذا الشارع .. متحف مفتوح .. استمتعت بمهرجان الطبول الرائع .. تشعر بعبق التاريخ .. بالاضافة إلى ما تضفيه هذه المهرجانات ومراكز الإبداع والفنون .. من امتزاج او تواصل بين الفنون على مر العصور .. وهنا قفز الى ذهنى إبداعات نجيب محفوظ ..طوال جولتى فى شوارع وحارات هذه المنطقة .. هى مسجد الحسين .. وقهوة الفيشاوي .. وبين القصرين .. القاهرة الفاطمية .. وتذكرت عظماء الأدب العربى .. وروح العصر .. وكيف ابدع عباس العقاد .. الذى اصبح واحد من اكبر كتاب عصره .. واحتل مكانته الأدبية الرفيعة .. بكفاحه .. وجهاده .. الذى يعد أعجوبة نادرة .. خاصة انه حصل فقط على الشهادة الابتدائية .. ولكنه بالقراءة اصبح نجم الأدب العربى .. وقدم العبقريات .. التى رسم فيها شخصياتها بكل ما تحمله من كمال وجلال .. وأصبح العقاد واحد من عظماء الشعراء .. قرأ حوالى عشرة آلاف كتاب .. وبرع فى كتابة المقال فى الصحف .. ويتألق العقاد فى الوطن العربى كله .. فالعرب يقرءون كل كتبه ويتابعونه بشغف .. فالقاهرة هى الام التى تبث فكرها وادبها وثقافتها .. وعلمها .. الى الدنيا كلها .. وبسرعة قفز الى ذهنى عميد الأدب العربى د. طه حسين .. هذا العبقري الضرير .. الذى اصيب بالعمى فى طفولته المبكرة .. ويذهب الى الأزهر ..ويحصل على أول دكتوراه من الجامعة المصرية .. كمصرى .. لم يستسلم ولم ينعزل .. ولم تدفعه معاناته للعزلة .. بل تحدى الإعاقة .. وذهب الى فرنسا .. ليعود حاصلا على الدكتوراه من جامعة السوربون بباريس ويصبح طه حسين .. من أبرز الشخصيات الفكرية فى مصر والعالم العربى .. أستاذا جامعيا .. ثم عميدا لكلية الآداب .. تتلمذ على يديه نجيب محفوظ .. فى كلية الآداب .. ثم رئيس الجامعة .. فوزير التربية والتعليم .. وهو صاحب مقولة .. التعليم حق لكل مواطن بالمجان .. مثل الماء والهواء .. وبالفعل جعله مجانا عقب توليه الوزارة .. ولابد ان نتوقف امام دور القوة الدافعة .. الأب .. الذى يحرص كل الحرص .. على أن يجعل ابنه طه .. يحفظ القرآن .. بالإضافة إلى مدرسيه واساتذته .. تذكرت نجيب محفوظ .. اديبنا العالمى .. فى زقاق المدق .. وهذه الحياة .. فى أحد أحياء القاهرة الشعبية العريقة .. وصف نجيب محفوظ فى زقاق المدق .. واقعا اجتماعيا .. يكاد يتطابق مع ما وصفه د. طه حسين فى " الأيام " .. قبل ٢٠ عاما .. وقد اعجبتنى زقاق المدق .. كما أعجبت غيرى .. فهى تعكس الواقع .. بكل صدق وجرأة .. وتأثير وجود معسكرات الجيش الإنجليزى المحتل لمصر .. فى ذلك الوقت .. وظهور الراديو .. وكيف يموت احد الشبان .. دفاعا عن خطيبته ( حميدة ) نتيجة اشتباك مع الجنود الإنجليز .. الذين كانوا على علاقة بحميدة .. ويتقدم عباس ( حلاق ) لخطبة حميدة .. وفى اثناء غياب عباس .. يطلب يد حميدة تاجر متقدم فى السن .. كسب مالا كثيرا من السوق السوداء .. ويصاب هذا التاجر .. بمرض شديد .. ويصور لنا نجيب محفوظ .. الفساد متمثلا فى مدعى طب الأسنان .. الذى كان يأتى لزبائنه بأطقم أسنان رخيصة الثمن .. بحصوله عليها من المقابر .. عن طريق الحانوتية .. وما كان يفعله زعيم الشحاتين .. الذى كان يستولى على ما يحصل عليه الشحاتين من الشحاته .. بعد ان يجرى لهم عمليات تجعل لهم شكلا يثير الشفقة والإحسان .. ثم يظهر الدرويش الحكيم رضوان الحسينى .. الذى يعيش ناصحا للناس .. يعيش معهم ووسطهم .. نفس معاناتهم .. تذكرت توفيق الحكيم .. وقصته البديعة " ارنى الله " .. وهى تحكى عن الاسطورة .. رجل يتحدث مع ابنه كثيرا فى أمور الدنيا .. وعندما جاء ذكر الله .. فى كلام الأب .. فاجأه الابن بسؤاله : " ارنى الله " .. وذهب الأب يبحث عن الإجابة .. عند كل من يعرفهم .. حتى علماء الدين .. الذين قالوا كلاما محفوظا وعبارات مكررة .. الى ان التقى برجل زاهد .. اعطاه الإجابة .. قال له : ان الانسان لا يستطيع رؤية الله .. الا اذا احب الله .. ولكن الانسان لا يستطيع ان يحمل فى قلبه من حب الله .. مثقال ذرة .. وهنا الح الرجل على الزاهد .. الحاحا شديدا .. فدعا له .. ان يمنحه الله .. نصف مثقال ذرة .. من حب الله .. وفعلا استجيب الدعاء .. وأصبح الرجل منذ هذه اللحظة .. يعيش بعيدا عن الناس .. فقد غرق فى رؤية الله .. هذه هى قوة مصر الناعمة .. التى جعلتها زعيمة .. كل ذلك .. قفز الى رأسى .. طوال تواجدى فى شارع المعز .. وجلوسى على مقهى الفيشاوي .. والجولة سيرا على الاقدام .. فى قلب عبق التاريخ .. وأعود هنا الى العالم الكبير د. جمال حمدان .. الذى حسم قضية الزعامة .. فى كتابه الرائع " شخصية مصر " .. قال : ان دور مصر القيادى والريادى .. فى العالم العربى .. لم ينقطع ابدا .. لان الجغرافيا حسمتها مرة واحدة والى الابد .. بقى ان اقول .. ان فكرة هذا المقال .. احد اسرار الهامات شارع المعز .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة