من الألف إلي الياء
فن صناعة السعادة الأسرية ، وتعزيز إستقرار الحياة الزوجية، هو الأساس للمجتمع القوي المتماسك ، وربما من أهم دعائم التنمية الشاملة والمستدامة بكافة روافدها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية.
وفي خضم الأعباء والضغوط الحياتية والصراع المتنامي لمجابهة المتطلبات والمسئوليات ،ربما ينسي البعض أويتناسي أسمي معاني الزواج كرباط مقدس وعهد مصون وميثاق غليظ ، أوصانا الله عز وجل أن نحفظه بالمودة والرحمة (ولا تنسوا الفضل بينكم)، (وجعل بينكم مودة ورحمة) والتوجيهات القرآنية والتوصيات النبوية ،وأحاديث المصطفي صلي الله عليه وسلم، في هذه سياق هذه القضية المهمة ، لا تعد ولا تحصي.
أما لو استحالت العشرة، وإستمرار الحياة الزوجية، والوفاق فالحل هو أبغض الحلال والإنفصال بالحسني بدون ظلم وغبن أو تجريح وإساءة ،(فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان )، وهي القاعدة الربانية والمنهج السماوي العادل، التي غفل عنها البعض فجاء الحصاد المر سريعا.. عنف ونزاعات ومحاكم وتراشق وكأننا في ساحة حرب ضروس يجرب الكل ما لديه من أسلحة ووسائل مشروعة وغير مشروعة لتحقيق أقصي قدر من المكاسب، فتحولت العلاقات الزوجية إلي ما يشبه المشروع التجاري، بلا عقل أو قلب أو روح ، وسقط الضحايا من الأبناء الأبرياء جراء تلك المعارك المستعرة !!
والأمر المستهجن أنه في الوقت الذي تعاني المجتمعات الشرقية من بوادر إنهيار لمنظومة الأسرة وكثرة حالات الطلاق ، ظهرت دعوات غربية مؤخرا لإحياء مفهوم الأسرة والعلاقات السوية ، وتشجيع الزواج لحفظ استقرار المجتمع وعلاج الخلل الديموجرافي في التركيبة السكانية.
وأعتقد أن من أسوء مفرزات العصر الرأسمالية وطغيان القيم المادية انتشار ظاهرة الخناقات الزوجية التي تحولت لجرائم وعنف أسري ، وتغافل هؤلاء عن أسمي معاني العلاقات والروابط ،وسقط مفهوم الأسرة تدريجيا بما يحمله من سكنية وهدوء ومودة ،والذي كان حلما للباحثين عن الحب والسعاده والنجاح والإستقرار.
ومابين فكرة الحقوق والواجبات هناك حلقات مفقوده وحقائق غائبة ، وفهم خاطيء وحسابات مادية حولت الحياة لصراع وجحيم ورغبات في الإنتقام ، وتحول الحضن الدافيء لمعقل ومسرح للجريمة ، ومن ثم لابد أن يضطلع كل بمهمته، ويعود لرشده ولصوت التعقل و الحكمة ، فهي ضالة كل عاقل راشد ،ومهما بلغت درجة الضغوط فهناك حلول شرعية وقانونية وأعراف متبعة للصلح وتقريب وجهات النظر لتجنب هذا الإحتقان والتصعيد المفتعل.
وعلاوة علي ضغوط الحياة وهمومها المتزايدة ،هناك عدة متغيرات ومستجدات قد أسهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في تأزيم العلاقات الزوجية، ومن ثم إستمرار النزاعات ،فتقويض أركان الأسرة، لكن الحلول والعودة للبيت السعيد ليس حلما صعبا، مع الإرادة الصادقة والنوايا الحسنة.
والحق يقال أن جفاف ينابيع التربية وغياب التوجيه والإرشاد النفسي والإجتماعي أحد أهم أسباب الظاهرة، وربما أيضا إهمال التكافو والتقارب في سمات الشخصية وأسلوبالمستوي التفكير ،والمستوي الإجتماعي والمعيشي والثقافي وتهميش دور الأسرة في إختيار شريك الحياة.
كما أن تفشي ثقافة المسلسلات و الدراما الخبيثة ،ومشاهد العنف والمشكلات الأسرية والمعالجات الإبداعية الجامحة التي أسهمت بدون شك، بصورة غير مباشرة في ترسيخ مفاهيم خاطئة لدي قطاع عريض من الأسر المصرية.
وهناك أيضا آفات في صورة عادات وثقافات غربية مستوردة وهدامة قادمة من الخارج عبر وسائل
عصريةومسارت عديدة، علاوة علي الدور السلبي الذي تلعبه منصات ووسائل التواصل الإجتماعي وإختراقها لخصوصية وأسرار البيوت وحرمة الحياة الزوجية.
وأتصور أن هناك حلقات مفقودة تتطلب إعادة بناء وتجسير،وأدوار غائبة أو منقوصة للأزهر باعتباره المؤسسة الدينية الأم و لكافة مؤسسات الدولة الرسمية والمدنية ، كالجامعات والجمعيات الأهلية وغيرها.
هذا علاوة علي ضرورة مراجعة الأعمال الدرامية، نصا وحوارا وإخراجا، وإحياء رسالة الفن المبدع النافع والإعلام الراشد الموجه، وكل ناصح أمين.
وتظل العودة لفكرة غرس التفاهم والوئام الزوجي ولم شمل الأسرة من جديد ، أمرا ممكنا، لكنه مرهون بالإرادة الصادقة والنوايا الحسنة من الطرفين.