رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الماء يرتطم بالماء، الأمواج تتعالى كأنها في سباق محموم بينها لبلوغ السماء، المطر ينهمر ليس بين القطرة واختها قدر أنملة، المشهد مهيب عظيم مخيف.

الأرض والسماء التقيا في مشهد أسطوري عجيب، واتفاق على هدف واحد واتحاد ندر وجوده، هذه تتفجر عيونها فيفور الماء وينقض كانقضاض الوحش على الفريسة، وتلك تفتح أبوابها بماءٍ منهمرٍ، سيولا تفتت الصخر ولو كان جلمودا تحطه من علٍ.

القلب يئن، والجبال تئن، وقلب الأب ينادي: يا بُني لا تفجع قلبي عليك، يا بُني اسمع مني، كن لينا مع أبيك ولو لمرة واحدة، يا بني لو كنتَ رضيعًا لحملتُك على كتفي سعيدًا بك وبنجاتك، يا بُني لا تفجعني فيك.

ينظر إلى ابنه والماء يلتف حول الجبل صاعدًا يطلبه ويطلب رفاقه، رفاق السوء والعند والكبرياء والغطرسة والغباء، لا يملك لابنه من أمر الله شيئًا، ينظر الى ابنه الصاعد إلى الجبل، يأوي به ليعصمه من الماء، ولكن الماء ظل يعلو ويعلو ويعلو، ويلتف حول الجبل ويحيط به إحاطة السوار بالمعصم.

ويتعالى النداء: يا بُني يا "كنعان" لا تطع أمك "واعلة"، لقد استمرأت أمك الكفر فلا تستمرئه معها، يا كنعان يا بُني لا تكن غبيا ولا تعتزلنا، دعك من معزلك هذا، يا بني تعال معي فى هذه السفينة، تعال وكن مع هؤلاء الناجين سيسعدون بك وستسعد معهم، يا بني والأمر لا يحتمل التمهل، أسرع بالنجاة معنا، يا بُني إن صوتي يختنق بالبكاء فلا أستطيع أن أنطق بالباء، يا بني اركم معنا ولا تكن مع الكافرين.

والحب يرحل بالقلب إلى القلب، يؤنسه يربت عليه، يضمد جراحه، ويبكي معه ويحاوره:

ـ يا نبي الله، إنك نبي وهذا قدر الله!

ـ لكننى أب

ـ يا نبي الله إنك من أولي العزم من الرسل!

ـ لكنني أب

ـ يا نبي الله، قلبك مليء بحب الله!

ـ لكنني أب

ـ يا نبي الله، لقد كفر وأبى أن ينجو معك في السفينة وأن يكون مع السعداء!

ـ لكنني أب

يا ابا كنعان، يا نوح قلوبنا تئن لحزنك، ودموعنا تنهمر مع هذا الماء حزنا لحزنك على ابنك، سندعك لله والله أرحم الراحمين.

توقف المطر، البشائر تهبط من السماء، بشائر الرفق بنوح حيث ينزل العون من الله واللطف، وتنزل الرحمة تربت على قلب نوح، حيث يتردد في السماء اسمه، يناديه الله ذاكرا اسمه نداء تفوح منه روائح المواساة والعطف والشفقة: يا نوح إنه ليس من أهلك.

وتنزل السكينة مع النداء إلى قلب الأب، وتشرق الشمس فيكف الألم ويكف الدمع، وتهدأ النفس، وتُقلِع السماء وتبلع الأرض ماءها، فيغيض الماء، وتستوي السفينة على الجودي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة