عملاً بوصية الرسول – صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً – عندما شاهد البطل وجنوده سيدتين، خارجتين من أحد المنازل بمدينة رفح، طلب من جنوده عدم استهداف السيدتين، وقال أن نبي الله - ص - كان لا يؤذي النساء أو الشيوخ أو الأطفال في الحرب، وشدد البطل على جنوده، مؤكدا "جيش مصر لا يقتل النساء".
وحسب رواية – أم البطل – بمجرد دخوله لأحد المنازل الملغمة لتفتيشه، قامت هاتين السيدتان بتفجير المنزل عن بعد، ليلقى الشهيد شريف محمد عمر، ربه مدافعاً عن دينه وعن وطنه وعن كل المصريين، ومتمسكاً بتعاليم الدين الحنيف، ضد من لا دين ولا عهد لهم، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وألهم أسرته وذريته الصبر والسلوان.
.jpg)
ولد البطل في السابع والعشرين من مارس عام 1983، وهو أول ضابط في أسرته، وعند ميلاده فرح به أبيه الكابتن – محمد عمر – مدرب منتخب مصر العسكري – فرحاـ شديداـ، فقد كان طفلاً شديد الجمال، وشديد الشقاوة منذ لحظة ميلاده، وكلما مرت الأيام عليه ازداد جمالاً وظهرت فيه علامات مبكرة للنضج والرجولة، حتى أنه بدأ يمشي ويتحدث وبدأت تظهر أسنانه في فمه وهو في عمر السبعة أشهر، فكان يسبق سنه في كل شيء، وكأنه يريد أن يفعل الكثير خلال عمره القليل، وهو ما أخرج الكلمات من فم جدته لأبيه، دون أن تشعر، فأخبرت أمه أن شريف لن يعيش كثيراً.
وكلما مرت الأيام كانت طيبته وإنسانيته الفائقة للطبيعي، تؤكد أنه إنسان من عالم آخر، عالم ملائكي، يختلف عن هذا العالم الذي نعيش فيه.
بعد حصوله على الشهادة الإعدادية من مدرسة محرم بك، وانتقال أسرته لمسكنهم الجديد بمنطقة مصطفى كامل، أصر على الالتحاق بمدرسة مصطفى كامل العسكرية، وفور نجاحه، ترك فريق كرة القدم بنادي الاتحاد السكندري – رغم أنه كان كابتن الفريق، وطلب من والده أن يوافقه على التقدم للالتحاق بالكلية الحربية، ولكن الأب كان يتمنى أن يلتحق ابنه بكلية الشرطة، إلا أنه وافق بعد إصرار شريف، وخاصة أنه كان يحلم بأن يصبح ضابطاً مثل الضباط الذين يحتك بهم في معسكرات التدريب التي يذهب فيها مع والده، مدرب منتخب مصر العسكري.
وتخرج المقدم شريف محمد عمر، عام 2002 من الكلية الحربية، والتحق بسلاح المظلات، وظلت أمه تلح عليه بأن يتزوج، ولكنه رفض كثيراً، إلى أن شاء الله، وتوفق في إيجاد شريكة حياته. وفي حفل أسطوري – داخل قصر رأس التين حيث مقر القوات البحرية – أقيم حفل الزواج، بحضور صفوة المجتمع وقياداته، ورزقت الأسرة بإبنتين فريدة وفرح، ومرت الأيام.
وكان أشد ما يميز حياة البطل، حرصه الدائم على عمل الخير، في كل وقت وحين، ففي رمضان، كان يحضر السلع الغذائية ويجتمع بأسرته في منزل والديه، ويقومون بتعبئتها، ويقوم بتوزيعها بنفسه، وكأنه يدربهم على ما سيفعلونه بعد أن يفارقهم جسده.
تؤكد أمه – إيمان غريب – أن كل من جالسه أو عاشره، كان لا يصدق أنه ضابط بالقوات المسلحة، وأنه يحمل سلاح في يده، فهو شديد الحنان وشديد المحبة وشديد التواضع، وكان يحب أخيه كريم – ضابط شرطة بالأمن المركزي – حباً جماً، فقد كان يشعر أنه مسئولاـ عنه، كونه أخيه الصغير، وأن أبيه مشغولاً كثيراً في عمله مع المنتخب العسكري.
وتضيف الأم الصابرة "دائما أقول ربنا معاك يا كريم .. لأنك افتقدت جزء مهم جداً في حياتك باستشهاد شريف".
وكان البطل محبوباً بأفعاله، وسط أهل منطقته، حتى أنهم قاموا بعمل صورة كبيرة له، منذ يوم استشهاده – من خمسة أعوام، ووضعوها في الشارع الذي كان يسكن فيه، ويقومون بتجديدها، كلما تأثرت بحرارة الشمس أو الأمطار وغيرها، في دلالة واضحة على مكانته بين أهل المنطقة.
وعقب زواج كريم – شقيق الشهيد – رزقه الله بـ"سيلين" وعندما شاهدها شريف، وحملها حمد الله، وقال الحمد لله سأدخل الجنة فقد رزقت بثلاثة بنات، وبعد استشهاده، مرضت "سيلين" ولقيت ربها، وتم دفنها في نفس القبر في حضن الشهيد.
وتذكر الأم المؤمنة – التي نالت نصيبا كبيراً من اسمها، "كان شريف مصدر بهجة ودعوة خير للأسرة ولكل من يلتقيه، فدائماً ما حرص على جمع أسرته وأسرة زوجته وأسرة أخيه وأسرة زوجة أخيه داخل منزلي وخاصة في عيد الأم، لتعم الفرحة والبهجة علينا جميعا".
وتضيف "نعم أفتقده كثيراً .. وأفقتد حنانه .. وأفتقد كلامي معه، وحتى بناته فريدة التي تركها وهي في عمر الأربع سنوات وفرح التي تركها في عمر عامين، كلنا نفتقده جداً، ولكن عزائنا جميعاً أنه استشهد من أجل الوطن، وكلنا وكل ما نملك فداء للوطن، لقد ضحينا بكل غالي من أجل مصر، وأطلب من كل المصريين أن يحافظوا على مصر"، وتشدد "اللي بيضيع منه دهب في سوق الدهب بيلقاه، لكن اللي بيضيع منه وطن عمره ما هيلقاه".
وتذكر أم البطل، "ذكر لي البعض من زملائه أنه ذهب في أحد الأيام لتفتيش، أحد المنازل، وعندما دخل هو وجنوده، وجد بالمنزل أسرة تتناول طعام الغداء، وأمهم سيدة مسنة، فاعتذر .. وانتظر حتى يفرغوا من تناول طعامهم، وبعد أن تناولوا الطعام، أخذت السيدة المسنة تدعوا له، نتيجة لحسن معاملته ولأدبه الشديد – الذي كان أسلوب حياة للشهيد – وطلب منها أن تدعو له بأن يرزقه الله بالشهادة ويتقبله في زمرة الشهداء.
وبالفعل دعت له وبعد مرور ثلاثة أيام لقي البطل ربه، لينضم إلى (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) .. يجودون بكل غالٍ ونفيس من أجل أن تحيا مصرنا الغالية، ولينعم المصريون جميعاً بأمان العيش في وطن الأمان.