هذه الدنيا
عرفت الدكتور كمال الجنزورى رئيس الوزراء الأسبق منذ مرحلة مبكرة تعود إلى اليوم الأول لتوليه رئاسة الوزراء. كان الرئيس الراحل حسنى مبارك قد أجرى تعديلا وزاريًا مطلع يناير 1996 قرر فيه تكليف الدكتور الجنزورى بتشكيل الوزارة الجديدة خلفًا للراحل العظيم الدكتور عاطف صدقى الذى شغل المنصب منذ عام 1986. وأذكر أن الأستاذ الكبير سمير رجب كلفنى يومها بإجراء حوار مع الدكتور عاطف صدقى ومجموعة الوزراء الذين خرجوا من التشكيل الوزارى، وقضيت ليلة كاملة فى الجريدة أقوم بتنفيذ التكليف حتى تحدثت مع الدكتور عاطف الذى شكر الرئيس مبارك على تكريمه له، وأشاد بالعقلية الاقتصادية والفكر المنظم الذى يتمتع به خلفه الدكتور الجنزورى وهو له باع طويل من العمل العام محافظًا ثم وزيرًا منذ عصر الرئيس أنور السادات.
ثم شاءت الظروف أن التقى بالدكتور كمال الجنزورى بعد تعيينه فى المنصب الرفيع بفترة بسيطة حيث كنت أشارك بحضور اجتماعات النادى السياسى للحزب الوطنى وكان يعقد فى مقره على الكورنيش والذى تعرض للحرق إبان أحداث ثورة 25 يناير 2011.
التف الصحفيون حول رئيس الوزراء الجديد كعادتهم مع كل مسئول يدخل القاعة أملا فى الحصول على تصريحات صحفية تصلح لأن تكون مادة خبرية مميزة، لم يكن الدكتور الجنزورى يفضل الإدلاء بتصريحات صحفية إلا فيما ندر، عكس ما كان يفعله الدكتور أحمد فتحى سرور رئيس مجلس الشعب الذى كان يداعب الصحفيين ويسألهم عن صحفهم بالإسم، والدكتور مصطفى كمال حلمى رئيس مجلس الشورى صاحب الخلق الرفيع الذى كان يتعامل بأبوة مع الجميع.
وأمام الرفض المتكرر للدكتور الجنزورى للحديث لأى صحفى قررت أن أخوض التجربة بمفردى وليكن ما يكون، ودخلت إليه حيث يجلس فى الصالون مُحاطًا بوزراء حكومته، وأفراد الحرس الخاص، وصافحته وعرفته بنفسى، وقلت له: يا دكتور كمال - هكذا ببساطة ولم تكن لغة الخطاب مع رئيس الوزراء فى ذلك الوقت محاطة بأى تعقيدات أو غيرها من الألفاظ الدخيلة على الحياة السياسية مثل دولة الرئيس ومعالى الوزير ومعالى النائب وغيرها من المصطلحات التى يرددها الكثيرون حاليًا – أكرر قلت: يا دكتور كمال .. أنا فلان .. وكنت عاوز أستأذنك فى حديث أو تصريح صحفى ..
ابتسم الدكتور كمال الجنزورى، ويبدو أن قدر شجاعتى التى دفعتنى وأنا فى هذه السن الصغيرة أن اقتحم عليه جلسته وهو ما لم يفعله كبار الصحفيين الموجودين بالقاعة، ووضع يده على كتفى وارتسمت ابتسامة على وجهة الذى تكسوه ملامح الجدية، وقال: وأنا عاوز أستأذنك فى انك تخلينى أشوف شغلى ..
شكرته وخرجت من الصالون، وسألنى زملائى الصحفيون الذين تابعوا عملية الاقتحام الجريئة التى نفذتها علها تفتح لهم طريقًا للحديث مع رئيس الوزراء، وسألونى بلهفة: هيه .. ماذا قال لك الدكتور الجنزورى؟
- قلت: ابتسم وقال لى سيبنى أشوف شغلى.
لم تنجح محاولتى، ولم أغضب، فلا بأس من التجربة، هكذا علمنى أساتذتى فى الصحافة وقبلها فى كلية الإعلام جامعة القاهرة. إن كل خطوة يخطوها الصحفى – بصرف النظر عن نتائجها –قيمة تضاف له فى رصيد حياته.
ثم تعددت لقاءاتى بالدكتور الجنزورى لدى شغله المنصب، ومنها فى سنة 1998 حين أطلق الرئيس مبارك دعوته لتشجيع التصدير قائلا: "إن التصدير قضية حياة أو موت". فى هذا اليوم كنت أجلس فى مقدمة الصفوف بالمؤتمر الاقتصادى الذى نظمه الراحل العظيم د.سمير طوبار رئيس اللجنة الاقتصادية بالحزب الوطنى، وكان الدكتور الجنزورى يجلس إلى جوار الرئيس مبارك على المنصة، وأذكر أن أول من تحدث فى هذا اللقاء هو الدكتور نادر رياض رئيس مجلس الأعمال المصرى الألمانى الذى استمع له الرئيس مبارك بإنصات، ثم همس فى أذن الدكتور الجنزورى سائلا عنه، وكان الدكتور الجنزورى يعرف الدكتور نادر رياض جيدًا، فقدم عنه نبذة للرئيس مبارك الذى هز رأسه بما يفيد الإيجاب بالمعرفة. كان عدد المدعوين محدودًا ولا يتجاوز الخمسين شخصًا، وأثناء خروج الرئيس مبارك لمح الصحفيين على الجانب الأيمن من القاعة، فوقف لنا واندفعنا نحوه، وكنت أول من يمد يده لمصافحة الرئيس الذى كان مشغولا بمصافحة غيرى، فأمسك بمعصم يدى، ثم صافحنى، وكان يقف إلى جوارى الزميل الأستاذ جمال أبوبيه محرر رئاسة الجمهورية بالمساء وقتها، والزميلة الأستاذة إيمان أنور بأخبار اليوم.
يومها وقف الدكتور كمال أبو الخير عضو مجلس الشعب – رحمه الله – يطلب من الرئيس أن يزوره فى مشروعه السياحى بالغردقة، فقال الرئيس: إن ظروف حادث الأقصر هى التى دفعته لزيارة الغردقة زيارة سريعة ليطمئن على السياحة بعد أن زار الأقصر، ووعده بتلبية مطلبه فى أول زيارة مقبلة.
انشغل الرئيس مبارك عنا، وكنا نستعد لتوجيه الأسئلة له، وغادر القاعة يرافقه الدكتور كمال الجنزورى.. وبعد فترة بسيطة خرج الدكتور الجنزورى من الوزارة عام 1999، وابتعد تمامًا عن أى نشاط سياسى أو اجتماعى طيلة 12 عامًا حتى عاد إلى صدارة المشهد مرة أخرى عقب أحداث يناير 2011 ، ولعل هذا يكون محور حديث آخر.