الكلم الطيب
من المسلمين الأوائل الذين أفاء الله عليهم بنعمة العقل الراجح والرأي السديد فيما يجري لديهم من أمور وإبداء الرأي فيما يتعلق بشئون الدولة وتحقيق العدل والتوازن بين سائر البشر وقيادة مختلف الفئات والطوائف بحكمة ورؤية ثاقبة وقد شهد له أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتميزه في هذا المجال وولاه إدارة شئون المسلمين بحمص فكان جديراً بهذه الثقة.
أكد أمير المؤمنين أنه رجل يمتاز بحسن القيادة والأخذ بيد كل الأفراد نحو الطريق المستقيم وقال: وددت لو أن رجلاً مثل عمير أستعين به علي أعمال المسلمين!!
في نفس الوقت حفلت كتب السيرة والتراجم بتاريخ هذا الصحابي والتعريف بنسبه والقبيلة التي ينتمي إليها فهو يسمي عمير بن سعد بن عبيد بن النعمان الأنصاري الأوسي. وقد بعثه عمر بن الخطاب علي جيش إلي الشام وكلفه بتولي شئون هذا الجيش في كل الشئون وأثبت أنه من فضلاء أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم وزهادهم ولم تكن له أي مطامع وإنما كل همه إدارة الأمور بحنكة وحكمة تجعل الشئون تمضي في الطريق الصحيح ويكفيه شرفاً أنه ابن سعد وهو من المؤرخين المشهود لهم بالكفاءة ومعرفة الكثير من أخبار أبناء العالم الإسلامي. يقول: عمير بن سعد بن زيد بن أجيه الأنصاري يقال إنه نسيج وحدة نزل فلسطين ومات بها وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم قوله: "لا عدوي" وقد روي عنه ابنه عبدالرحمن وأبو طلحة الخولاني وغيرهما. ومما يضفي الكثير علي مسيرة هذا الصحابي أنه قد تربي علي يد الجلاس بن سويد زوج أم عمير وقد أحسن إليه برعايته بكل عناية وتقدير. مما جعله يتميز بالكثير من الصفات وقد سمع عمير الجلاس وهو يقول في غزوة تبوك: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمير. فقال عمير: أشهد أنه لصادق. وأنك شر من الحمير ثم أضاف والله إني لأخشي إن كتمتها عن النبي صلي الله عليه وسلم أن ينزل القرآن وأن أخلط بخطيئة موضحاً رأيه في الجلاس حيث قال: ولنعم الأب هو لي وقد أخبر النبي صلي الله عليه وسلم بذلك وهنا استدعي الرسول صلي الله عليه وسلم الجلاس وعندما مثل بين يديه صلي الله عليه وسلم عرفه النبي صلي الله عليه وسلم وكانا تحالفا وفي تلك اللحظات التي كان يجري التصرف علي الجلاس نزل الوحي علي رسول الله صلي الله عليه وسلم فسكت الجميع ثم رفع الرسول صلي الله عليه وسلم رأسه وقرأ قول الله تعالي: "يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر" إلي قوله تعالي: "فإن يتوبوا يك خيراً لهم" الآية: 74 من سورة التوبة. وهنا نطق الجلاس قائلاً: أتوب إلي الله لقد صدق. وقد كان الجلاس قد حلف: ألا ينفق علي عمير ثم تراجع وأعاد النفقة علي عمير توبة منه علي ما صدر منه من قبل في يوم تبوك.
حقيقة لقد كان مثار احتجاج كتاب السيرة والتراجم ومما نقل عن ابن سيرين. أنه لما نزل القرآن أخذ النبي صلي الله عليه وسلم بإذن عمير. وقال: يا غلام وقت اذنك وصدقك ربك!!
هذه الكفاءة وهذا الاعتدال من عمير وحكمته في الإدارة بحنكة وسداد الرأي مما دفع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يسند إليه إدارة شئون حمص وقد زعم أهل الكوفة أن أبا زيد الذي جمع القرآن علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم اسمه سعد وأنه والد عمير هذا. وقد ظل عمير بالشام حتي فارق الحياة وكان محل تقدير لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهو من أشد المتابعين لعمير ومسيرته وقوته في الإدارة وسداد الرأي في كل ما يعرض له من أمور. وقد كان كل ما يهم أمير المؤمنين رضي الله عنه أن يتحقق العدل بين الناس دون انحراف أو طمع في الأموال أو غير ذلك من مغريات.
تلك هي صفات أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فقد كان كل واحد منهم يتمتع بالكثير من الصفات. فها هو الصديق أبو بكر رضي الله عنه حين كان المسلمون في ضائقة وطالب الرسول صلي الله عليه وسلم أصحابه بتقديم كل ما يقدرون عليه كل حسب قدرته المالية. فجاء أبو بكر بكل ماله وقدمه لرسول الله صلي الله عليه وسلم وعندما قال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: وماذا أبقيت لأولادك يا أبا بكر؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله وصدق الله العظيم إذ يقول: "وما لأحد عنده من نعمة تُجزي إلا ابتغاء وجه ربه الأعلي ولسوف يرضي".. سورة الليل.
هذه المسيرة كانت طريق أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم فقد كانوا جميعاً علي مستوي المسئولية لم تلههم الدنيا بكل مغرياتها حيث كانوا يضعون نُصب أعينهم قول الله تعالي: "ويُطْعِمون الطعام علي حُبِهِ مسكيناً ويتيماً وأسيراً. إنما نُطْعِمُكُم لوجه الله لا نُريد منكم جزاءً ولا شُكوراً" سورة الإنسان. ليت أبناء المجتمع العربي والإسلامي يستلهمون طريق هؤلاء الرجال الذين ضربوا أروع الأمثلة في الصدق والوفاء. نسأل الله أن يهدينا جميعاً إلي الطريق المستقيم إنه نعم المولي ونعم النصير!!