نبض الوطن
للدكتور مصطفي محمود مقولة غاية في العمق والدقة وتشخيص حالتنا الراهنة :" في الشرق أحد اثنين؛ من يرفض العلم اكتفاءً بالدين، ومن يرفض الدين اكتفاءً، وعبادة للعلم المادي والوسائل المادية ..وكلا الاثنين سبب من أسباب النكبة الحضارية في المنطقة ..وكلاهما لم يفهم المعني الحقيقي للدين ولا المعنى الحقيقي للعلم"..ويمكن إضافة طرف آخر لا يقل خطورة على مجتمعه من هذين الفريقين، وهو من لا يقرأ ولا يفكر ولا يملك القدرة على الفرز والاختيار الصحيح..فهو يتلقى ما يلقى إليه من أخبار وشائعات وأكاذيب ولا يملك وعياً حقيقياً يحصنه من الوقوع في شراك الزيف والخداع.
الدين والعلم يتكاملان لاشك في ذلك .. وإلا ما جاءت أولى آيات القرآن آمرة بالقراءة، داعية للمعرفة، رافعة العلماء في مرتبة تالية للأنبياء..فهل يقرأ شبابنا بعد تدهور سوق الطباعة وغلاء مستلزماتها وانصرافهم عن الكتاب المطبوع إلى القراءات الإلكترونية أو إلى الفضاء المتحرر للإنترنت وملذاتها وغواياتها..ويكفي أن تعرف الكلمات المفتاحية التي يكثر الطلب عليها من عالمنا العربي في محركات البحث على الإنترنت لتعرف أين نقف.. وما وجهتنا ..وما نتائج مثل هذا العبث ؟!.
قطعاً ..لا نملك إحصاءات ولا دراسات فعلية جديدة عن معدلات القراءة وواقع المقروئية في عالمنا العربي..والشائع عنا أننا شعوب زهدت في القراءة، وأن معدلات القراءة وحركة توزيع الكتب وحتى المجلات والجرائد المطبوعة في تراجع وانحسار..وحتى من يحبون القراءة ويرغبون فيها لا يجدون في رأيي مرجعية موثوقة يعودون إليها لمعرفة الكتاب الجيد من الرديء ولا يعرفون يقيناً من بمقدوره أن يعطيهم المشورة الفضلى للتزود بالمعرفة والثقافة الجادة.
مشروع مكتبة الأسرة ومطبوعاته متنوعة المستويات والمشارب كان صرحاً ثقافياً كبيراً، أقرب منالاً للقراء وأكثرهم من الطبقة الوسطى والفقراء.. لكنه توقف لأسباب لا نعلمها، ولا يتعلل أحد بنقص التمويل؛ فالمشروع لا تزيد كلفته عن 12 مليون جنيه سنوياً كما قال وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى في حواره لإحدى الفضائيات مؤكداً: " أن طاقته انتهت، حيث قادته سوازان مبارك قرينة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتبنته ودعمته بالتمويل."
هذا المشروع الثقافي ألقى أحجاراً كثيرة في المياه الراكدة، وشكَّل وعياً شعبياً لا نُعدم الدلائل على وجوده؛ فضلا على دعمه حركة الترجمة الواسعة، وإسهامه البارز في طباعة أمهات الكتب التي يصعب الوصول إليها .. وظني أن إحياءه ليس بالأمر الصعب؛ ففوائده لا تعد ولا تحصى..ويمكنه أن يفض العزلة التي فرضتها كورونا على مجتمعاتنا، و أن يعيد الشباب والنشء لصحبة أفضل جليس في الدنيا؛ فالكتاب المطبوع إذا ما قدم للناس بشكل جيد وبأسعار في متناول أيديهم أمكنه بناء وعي حقيقي تبحث عنه الدولة، وتدعو إليه قيادتها باستمرار حفاظاً على الاستقرار.
ربما تكون المقارنة ظالمة مع فرنسا مثلاً؛ فمحطات المترو هناك عامرة بالمكتبات.. وفي مقدور القاريء أن يختار ما يشاء ، وأن يعرف الكتب الأكثر مبيعاً، والروايات التي حصلت على جوائز ذات مصداقية. كما أن النبذ (الملخصات) المنشورة على الغلاف الأخير للكتاب تعطي فكرة وافية عنه وتسمح للقاريء بتحديد اختياره بسهولة..كما يتداول الناس الكتب المختلفة في وسائل المواصلات والأماكن العامة ثم يتركونها كما هي لمن خلفهم ليفيدوا منها دون أن تتملكهم شهوة السيطرة والاستحواذ عليها وحرمان الآخرين منها.
لا يجادل أحد في ضرورة القراء ولا أهمية الكتاب المطبوع؛ ذلك أن التلميذ إذا وصل إلى الجامعة دون زاد ثقافي خارج المقررات الدراسية المعتادة تبقى معرفته هشة تفضي به إلى السطحية وربما الضياع .
ولك أن أن تعرف أن 30%من سكان مصر أميون وال 70%الباقون يتسرب منهم 2.5%سنوياً من التعليم الأساسي ..كما يعزف 80%من المتعلمين عن القراءة نهائيًا ، فهم لم يقرأوا سوى كتب مدرسية عقيمة مملوءة حشوًا ، خالية من أي ثقافة أو خيال أو إبداع.. وسرعان ما ينسون محتوياتها فور خروجهم من الامتحان..والسؤال ماذا يقرأ المصريون ..والجواب : 79% يفضلون الكتب الدينية التي تحتل المرتبة الأولى في مبيعات الكتب ..كما تجد كتب الطبخ والأبراج رواجًا ملحوظًا .
وإذا كانت بضدها تتضح الأشياء فإسرائيل وحدها تطبع وتوزع ما يقرب من 15 مليون كتاب سنويًا بينما يصدر كتاب واحد لكل 350 ألف عربي ،وتصدر إسرائيل نحو ألف صحيفة ومجلة داخل الكيان الصهيوني وخارجه بما يعادل ما يصدره العرب جميعًا ..ويقرأ المواطن الإسرائيلي 40 كتاباً في العام بينما يقرأ 80 مواطنًا عربيًا كتابًا واحدًا..وقد أحيا الإسرائيليون لغتهم العبرية الميتة وعرَّبوا بها علوم العصر.. بينما ترك العرب لغة القرآن الحية الثرية لفظًا ومعنى ودلالة تموت إهمالًا وكمدًا.
إن إعادة الاعتبار للغتنا وإفساح المجال أمامها بصورة أكثر ديناميكية فريضة ..وإحياء مشروع القراءة للجميع أو مكتبة الأسرة مدخل مهم لبناء جيل واعٍ بقضايا وطنه وتحديات عصره، جيل داعم لدولته، محصن ضد رياح الفتن وعواصف التشويش التي لا تكف عن اختراق العقل المصري ليل نهار.