رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب


يجذبنا الكاتب عمر طاهر .. لنعيش معه لذة القراءة ومتعة المعرفة .. فى كتابه الرائع .. صنايعية مصر .. الذى اصدره عام ٢٠١٧ .. عن دار الكرمة للنشر .. يقدم لنا عمر طاهر (٣٠) شخصية من بعض بناة مصر فى العصر الحديث .. نماذج ناجحة .. شقت طريقها بيمينها .. بعرقها .. دون الاعتماد على واسطة .. او على ورث المرحوم الوالد .. شخصيات تحدت الصعاب وانتصرت عليها .. كل واحد منهم .. حياته وتاريخه .. هو تاريخ مصر .. وكأن عمر طاهر .. اراد ان يقدم لنا تاريخ مصر .. بطريقة مختلفة .. غير تقليدية .. هكذا عمر طاهر .. مبدع ومفكر .. يحكى لنا احداث العصر .. كما هى .. كما تعرض لها الناس وعاشتها هذه الشخصيات .. وبالرغم من كل ما تعرضوا له الا انهم نجحوا .. وكأن عمر طاهر .. يقول لنا .. ان النجاح انسان .. والإرادة انسان .. وان من يريد ان يثبت ذاته ويحقق احلامه وطموحاته .. فليبحث عن النجاح .. والنجاح وحده .. يجلب المال .. ولابد ان نعترف بحجم المعاناه التى واجهت كل هؤلاء .. فى كل مراحل توسعهم .. دون أن تنال من نجاحهم .. يقول عمر طاهر .. ان هؤلاء ساهموا فى رسم ملامح هذا البلد وتاريخ حياة سكانه .. دون أن يحصلوا على نصيبهم من الضوء والمحبة والاعتراف بالفضل .. يقدم لنا عمر طاهر .. ملك الزجاج ضد الكسر .. محمد سيد ياسين .. وكيف كانت كلمة "ياسين" .. المطبوعة بشكل بارز على قاع الكوب .. تعنى الجودة والإهتمام والحرص على الكوب .. بدأ ياسين مشواره .. مع الزجاج .. بعد خسارته فى العمل بالمقاولات مهنة والده .. ثم فى تسيير اتوبيسات فى شوارع القاهرة .. وقف حائرا .. ماذا يفعل ؟ انظروا .. كيف جاءت الفكرة .. تأمل ياسين .. لمبة الجاز .. فى غرفة خفير منزله .. وجد انها مصنوعة فى بلجيكا .. سأل نفسه : كم لمبة جاز مستوردة فى بيوت مصر ؟ هنا قرر ياسين .. ان يعيد لمصر صنعة هى بشهادة كل كتب التاريخ من اختراعها .. صدرتها الى العالم .. ثم بدأت تتسول منه انتاجه .. الامر مكلف .. ومغامرة وتحد .. وهو الذى لا يعرف شيئا عن صناعة الزجاج .. من اين يبدأ .. انطلق الى المانيا ومنها لعدة دول مجاورة .. قام بزيارة مصانع الزجاج هناك .. وحصل على ما يكفيه من خبرة الانطلاق .. قرر ان يتخصص فى تصنيع بللورة اللمبة الجاز .. شق طريقه بصعوبة وسط اباطرة الاستيراد .. المشكلة الاولى .. اتقان العمال الصنعة .. استغرق ثلاث سنوات .. خسر خلالها الكثير .. حتى اتقنوها .. المشكلة الأخرى .. اقناع المصريين على استخدامها .. وكل بيوتهم يستخدمونها .. جاء النجاح بطيئا .. لكن امام الصبر .. والارادة .. والعزيمة .. والإصرار على النجاح .. اقتنع المصرى بأهمية استخدام المنتج الوطنى .. ورويدا .. رويدا .. يتحقق النجاح ومعه الحلم .. وفى شبرا الخيمة .. قرر اقامة مصنعه الكبير الذى طالما حلم به .. رفضت جميع البنوك اقراضه ٨٠ الف جنيه .. لاقامة حلمه او مشروعه .. قالوا انه مجنون .. باع ارضه واتوبيساته وكل ما يملك .. من اجل مصنع زجاج .. الا طلعت حرب .. صاحب بنك مصر .. الذى قرر ان يقرضه .. وعندما سألوه : كيف تفعل ذلك ! قال طلعت حرب : للأسباب نفسها التى رفضتم من أجلها اقراضه .. فهذا رجل باع كل ما يملك من اجل مشروع .. ولست ادرى .. كيف تبدأ الصناعة .. الا بمجازفة مدروسة .. فى سنوات قليلة توسع مصنع ياسين للزجاج .. تحول الى مؤسسة صناعية اجتماعية .. فى البداية كان يعمل فى المصنع اكثر من ١٥٠ مهندسا المانيا وتشيكوسلوفاكيا .. طوروا المهنة ورفعوا مستوى العمالة المصرية .. ثم عادوا الى بلادهم وفى صحبتهم عمال مصريون .. يدربون الخواجات هناك !!! انتج ياسين زجاج السيارات وزجاج البيوت وزجاجات الأدوية والطفايات والنجف .. وأصبح طقم ياسين .. اول واهم قطعة فى جهاز كل عروسة ! طقم الشربات المرشوش بالرمل الملون .. او طقم القهوة المطلى بخطوط ماء الذهب .. اما لمبة جاز ياسين (نمرة ٣ او نمرة ٥ ) فقد كانت شريكة الونس فى كل بيت .. وبعد ثورة يوليو ١٩٥٢ .. تحول مصنع ياسين .. الى قطاع عام " النصر للزجاج والبللور " واختفى ختم ياسين اسفل الأكواب .. وانتهى الجزء اليدوى الفنى فى الصنعة .. صار ميكانيكيا فظا .. وجاء التاميم قاسيا صعبا على محمد سيد ياسين .. ليصرف كل دخله على علاجه .. حتى رحل عام ١٩٧١ .. ارسل د. احمد ابراهيم نصار .. استاذ امراض القلب .. حفيد محمد سيد ياسين .. من ابنته الكبرى رحمها الله .. رسالة الى الكاتب عمر طاهر .. يقول ان ياسين .. لم ينل ما يستحقه على المستوى اللائق بتاريخه وكفاحه ووطنيته .. والاهم من ذلك .. ان اسرته الكبيرة من زوجاته الثلاث لم يتم تعويضها عما نالها من ظلم جراء قوانين التأميم .. وان جميع اولاد ياسين .. ذكورا واناثا فى دار الحق .. يضيف د. احمد ابراهيم نصار .. نحن احفاده نفتخر .. اننا من صلبه .. هذا الرجل الذى ادرج لمبة الجاز .. التى يصنعها وحيدا فى مصر .. خلال الحرب العالمية الثانية .. فى جدول التسعيرة الجبرية .. كطلبه هو شخصيا منعا لاستغلال التجار .. لابناء الوطن .. فى سابقة لم تتكرر من بعده .. بالرغم من أنه كان فى مقدوره زيادة سعرها .. ليربح الملايين .. اضافة الى ملاينه .. التى ضاعت مع التأميم !!

يقدم لنا عمر طاهر .. نموذج اخر .. انيس عبيد .. صنايعى ترجمة الافلام الاجنبية .. قبل عام ١٩٤٤ .. كان طالب الهندسة انيس عبيد .. يذوب عشقا .. فى مشاهدة الافلام الاجنبية .. ولكن واجهته مشكلة الترجمة .. ويوم وضع المهندس قدمه فى باريس للحصول على الماجستير فى الهندسة .. قادته الصدفة الى الحل .. ليظهر اسم انيس عبيد .. فى بداية كل فيلم اجنبى .. كيف ؟ قرأ فى مقر الجامعة .. اعلانات عن دورات تدريبية لكيفية دمج الترجمة المكتوبة على شريط السينما .. هدفها دعم الافلام العلمية .. وخلال هذه الدورة .. تعرف انيس عبيد .. على مدير احد الاستوديوهات فى باريس .. وكان يعشق لعبة الشطرنج التى يجيدها عبيد .. قرب الشطرنج بينهما .. اقتحم عبيد الاستوديوهات وتعرف على اسرار طباعة الترجمة .. ليقرر هجر الهندسة ويتفرغ للترجمة .. ونجح لاول مرة .. فى طبع الترجمة على فيلم اجنبى .. لكنها باللغة الفرنسية وليست العربية .. بحجة ان معظم رواد السينما فى مصر من الاجانب ! قاد عبيد حملة تفرغ لها تماما .. لاحترام لغة البلاد .. اللغة العربية .. وساعدته جريدة الاهرام فى هذه الحملة .. ويجئ عام ١٩٣٩ .. ليشهد اصدار اول قرار بطبع الترجمة العربية على الافلام الاجنبية .. وتوقف التنفيذ بسبب الحرب العالمية الثانية .. ليعود للتنفيذ فى يوليو ١٩٦٤ .. ومنذ ذلك التاريخ .. لا تصرح الرقابة بعرض اى فيلم .. الا بعد طبع الترجمة عليه .. وجاء فيلم روميو جولييت اول فيلم مترجم .. محققا ايرادات غير مسبوقة .. وابتكر عبيد ادوات واجهزة الترجمة بنفسه كمهندس طبعا .. كان سعر الجهاز الواحد الف جنيه استرلينى .. باعها لليونان ولبنان ودول اخرى .. وتولى بعد ذلك ترجمة الافلام والحلقات الاجنبية التى يعرضها التليفزيون العربى بداية عام ١٩٦٠ .. كانت الهند ترسل كل اسبوع (١٥) فيلما لترجمتها الى الفرنسية والإنجليزية وكذلك الصين واليابان واسبانيا .. ويرحل انيس عبيد فى عام ١٩٨٨ .. بعد ان اتم مهمته بنجاح .. فى تعريفنا على العالم .. قالوا عن انيس عبيد .. انه نجح فيما فشل فيه الأمريكان والاوروبيون .. فإن معامل انيس عبيد تلقت سبعة افلام جديدة من نيويورك مقاس ١٦ مللى باللغة الإنجليزية .. لطبع حوارها .. لعرضها على ممن فقدوا السمع وهكذا .. قدم انيس عبيد .. طباعة ترجمة الافلام باللغات المختلفة .. للعالم كله .. بكل دقة ومهارة .. واجهزة من اعداده شخصيا .. ليضيف لنا ثقافة مهمة .. يقدمه لنا عمر طاهر .. كرائد فى طباعة الترجمة للافلام .. لا اريد ان اخوض فى كتاب عمر طاهر .. اكثر من ذلك .. لامنح القارئ فرصة متعة قراءته .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة